• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

الضحايا والقرابين والآلهة هي التي تضحي من أجل الشعب

في الأساطير لا مكان لشهداء البشر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 26 نوفمبر 2015

الشهادة موت في سبيل قضية، تكون عادلة وغير ذاتية في العرف العام لشعب، أو في سبيل عقيدة منتشرة في أكثر من شعب. والأمثلة كثيرة في التاريخ الديني والقومي والوطني، بل هناك أبطال في القبائل ضحوا وافتدوا فعوملوا معاملة الشهداء في الذكرى والاحترام، من غير أن يكون مفهوم الشهادة لديهم كما هو لدى من جاء بعدهم، ويحتفظ لنا الفولكلور القديم بالكثير من صور الشهادة. وعندما يستشهد شخص في سبيل قضية عامة ينتقل إلى الميثولوجيا، فيمنحه الأدب كل الصفات النبيلة، حتى يصل إلى مرتبة القداسة، فيصير كائناً نورانياً ويصبح قدوة ومثالاً أعلى. هذا هو قانون الشهادة التي تحدث في الواقع التاريخي. أما قانون الشهادة التي تحدث في الميثولوجيا فلها طريق آخر، كما سنرى فيما بعد.

طرأت على مفهوم الشهادة تحوّلات كثيرة عبر التاريخ بحسب عادات الشعوب وتقاليدها. فلم يكن لدى الأزتك في المكسيك أو الأنكا في البيرو أي شيء عن مفهوم الشهادة. كان الكثير من حروبهم يشن لتأمين الضحايا لربهم- الشمس- حتى يستمر في منح الحياة. وكان هذا في الشرق أيضاً، وما المنذر بن ماء السماء سوى بقية باقية لهذه العادة. فكانت الضحية، كقربان مقدس، النموذج الأول للشهادة البشرية. والضحية منذ القديم ترفع إلى الآلهة، كإسحق وأفيجينيا. أما شهداء الحروب فكان موتهم عادياً، ولا تذكر إلا بطولاتهم فقط.

ألوان وفروق

كل هذه الألوان والفروق لا أهمية لها عندما نبحث في أصل الشهادة، الذي يعود إلى الميثولوجيا حصراً. فمن القرابين المرفوعة إلى الآلهة ظهرت الضحية ومن الضحية ظهر مفهوم الشهادة، ولا يزال هذا الأصل يرافق المفهوم، سوى أنهم قديماً كانوا يؤمنون أن أرواح الراحلين تظل معهم، تتفقدهم بمواسم وطقوس خاصة بكل شعب، بينما في المسيحية، مثلاً، يجلسون في أحضان إبراهيم، ويتمتعون بنعيم الجنة، بلا عودة.

وبظهور المسيحية ارتفعت الضحية أو الشهيد إلى مقام القداسة، فكل قتيل من أجل الدين يعتبر قديساً رجلاً كان أو امرأة أو طفلاً صغيراً. ولدى الكنائس المسيحية في هذه الأيام سجل فيه جميع القديسين يسمى السنكسار يعرف القارئ منه اسم القديس وحياته وعصره ومصرعه وما قام به من واجب ديني، أو ما صنعه من عجائب وما شابه ذلك. وهناك كتاب السواعي الكبير الذي يقسم الزمن إلى أشهر وأيام، والأيام إلى ساعات، وكل ساعة لها قديسها وما يجب على القارئ القيام به تجاه ذكرى هذا القديس. وكان السواعي أولى هدايا العريس للعروس، فيكون عوناً لها في تمضية النهار في المنزل الجديد، ومرت فترة لم تكن العروس تغادر منزل أهلها من دون كتاب الشهداء، الذي روجوا أنه يعلم الفضيلة بتلك السير الكئيبة... الخ. ومع أن السنكسار سجل القديسين، فإننا لا نجد فيه ما اعتبرته المسيحية شهيدها الأول، وهو هابيل.

إلا أن الشعراء استغلوا هذه الظاهرة الشعرية المأساوية- وهم المشهورون بالتقاط اللمحات الأدبية من كل شيء وكل ظاهرة أو حتى حادثة بسيطة- وراحوا يسخرونها لأغراضهم الفنية فصار هناك أنواع كثيرة من الشهادة، حتى صرنا نسمع بشهيد «الحب» وشهيد «الأعين النجل» حتى أنهم أطلقوا على رابعة العدوية «شهيدة العشق الإلهي» وراجت قصة روميو وجولييت الإيطالية فاعتبر الشعراء العاشقين شهيدين من شهداء الحب. وفي العصر العباسي، تمادى الشعراء في المجون وكثرت لديهم تعابير الشهادة في أشياء لا تمت إلى الشهادة بالمفهوم الميثولوجي الأصلي، كشهيد الكأس، وشهيد النهد.... ولا حاجة أن يموت حتى يصير شهيداً، إنه شهيد حيّ، وهو الذي يبسط قصة شهادته في شعره... وهكذا يصبح رهين الميثولوجيا الشعرية، التي تجمع بين الواقع والخيال، ولا يزال هذا النهج قائماً، كما يتضح في أدب أمريكا اللاتينية فيما سمي «الواقعية السحرية». إن الواقع كان ولا يزال أسير الميثولوجيا والمعتقدات الأخروية، وبخاصة في الأدب والدين. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف