• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

الاختيار ليس بين الغزو وعدم التحرك، بل المطلوب مستويات متواضعة من الانخراط المستمر – الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري – الذي قد يحول من دون مواجهة الولايات المتحدة للاختيارات الكارثية.

أزمات العالم وثمن التقاعس الأميركي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 25 نوفمبر 2015

الرئيس أوباما محق بشأن العشرة آلاف لاجئ سوري، ولكن ماذا عن الـ3,990,000 سوري الآخرين؟ لقد انتقد «الجمهوريين» بشدة بسبب خيانتهم القيم الأميركية منذ الهجمات الإرهابية في باريس. ويريد من البلاد أن تستقبل 10 آلاف شخص فروا من الحرب الأهلية السورية المروعة، ولكن «الجمهوريين» يريدون إعادتهم. بيد أن إيواء حتى 10 آلاف لاجئ، من أي ديانة، ستكون له قيمة رمزية في المقام الأول. وقد فر أربعة ملايين سوري من سوريا، بينما نزح عدد أكبر من ذلك إلى مناطق أخرى داخل البلاد. ونصف السوريين أُرغموا على ترك ديارهم. وهذا أمر تتحمل إدارة أوباما بعض المسؤولية عنه – ويجدر بالأميركيين التفكير في أسبابه في انتخابات 2016.

أوباما سَحَب كل الجنود الأميركيين من العراق عندما نصح الخبراءُ بأن من شأن الإبقاء على قوة قوامها 15 ألف جندي أن يساعد على الحفاظ على سلام هش، وقصف ليبيا للإطاحة بحاكمها المستبد، ولكنه عارض تشكيل قوة تدريبية صغيرة تابعة للناتو ربما كانت ستساعد على إرساء الاستقرار في البلاد، وأمَر بزيادة محدودة في عديد الجنود في أفغانستان، ولكنه سرعان ما بدأ سحبها وفق جدول زمني غير مرتبط بالظروف الميدانية. وعندما قمع الديكتاتورُ السوري بشار الأسد المحتجين المطالبين بالديمقراطية، مشعلًا فتيل العنف، أبقى على الولايات المتحدة بعيدة. والواقع أن من المستحيل معرفة ما كان سيحدث لو أن أوباما اتخذ قرارات مختلفة، ولكننا نعرف أن النتيجة في ثلاث من هذه الحالات كانت كارثية ومختلفة جداً عما توقعه الرئيس.

فاليوم، ليبيا «غارقة في حرب أهلية وإراقة الدماء». وفي العراق، وبعد أن فقدت نفوذها واهتمامها، وقفت الولايات المتحدة جانباً بينما حوّل رئيس الوزراء الشيعي القوات المسلحة المدربة من قبل الأميركيين إلى مليشيا طائفية، منحت مجالاً وزخماً للسنة المتشددين (الذين ولدوا من جديد باسم «داعش») حتى يصعدوا من جديد. وفي سوريا، ظهرت تأثيرات أعظم وأشد خطورة مما كان يخشاه أوباما من تدخل أميركي: حرب أوسع تمتد عبر الحدود، وأصوليون متشددون ينشئون دويلة من النوع الذي لم تستطع «القاعدة» إقامته؛ وملايين اللاجئين الذين لا يزعزعون استقرار جيران سوريا فحسب ولكن كل أوروبا.

البعض قد يستنتج من كل هذا أن على الولايات المتحدة ألا تتدخل، لأننا نفتقر لقوة التحمل اللازمة من أجل إتمام المهمة. ونظراً لتاريخ تدخلاتنا وانسحاباتنا، فإن هذه المقولة قد تبدو معقولة. ولكنها تعاني من عيبين اثنين. العيب الأول هو أنها ليست صحيحة. فالجنود الأميركيون يوجدون في كوريا الجنوبية بعد أكثر من ستة عقود على الحرب الكورية، وقلة قليلة من الأميركيين يعارضون ذلك. كما أن الجنود الأميركيين موجودون في كوسوفو بعد أكثر من 15 عاماً على الحرب، وقلة قليلة من الأميركيين يعرفون ذلك في الحقيقة. ولو اختارت إدارة أوباما الإبقاء على كتيبة صغيرة في ما كان في 2011 عراقاً ينعم بالسلم إلى حد كبير، فإن معظم الأميركيين كانوا سيقبلون ذلك.

أما العيب الثاني، فهو أن عدم التدخل عديم الجدوى. فالعام الماضي فقط، كان أوباما يضع سوريا في سلة المشكلات التي لا تهدد «مصالحنا الجوهرية» قائلًا: «إن التهديد الرئيس اليوم يأتي من التنظيمات غير المركزية التابعة لـ(القاعدة)». ولكن يبدو واضحاً اليوم أنه لا يمكن تجاهل تنظيم «داعش».

الاختيار ليس بين الغزو وعدم التحرك، بل المطلوب هو مستويات متواضعة نسبياً من الانخراط المستمر – الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري – الذي قد يحول من دون مواجهة الولايات المتحدة للاختيارات الكارثية التي باتت تلوح الآن من جديد في الأفق. والتحدي الذي يواجه القيادة هو أنه إذا كانت مشكلة ما قابلة للإدارة، فإنها تبدو للكونجرس والشعب الأميركي أقل إلحاحاً. وعندما يصبح تهديد ما وجودياً، يصبح من الصعب أكثر القضاء عليه.

*فريد حياة*

*محلل سياسي أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا