• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

لماذا تجود زراعة المؤامرات في التربة العربية؟ لا شيء سوى أن العرب مفعول بهم، وأن الإرهاب الذي يضرب حوالينا وعلينا هو بضاعتنا التي ردت إلينا.

الإرهاب ارتد إلى النحور.. بين الساحر والمسحور!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 25 نوفمبر 2015

العرب مفعول به في الجملة العالمية.. تلك حقيقة مؤسفة لا تتخلف يوماً واحداً في أي حدث.. لا يريد العرب أو لا يستطيعون التقدم درجة واحدة إلى موقع الفاعل. والفعل الوحيد الذي يكون العرب فاعلاً أصلياً فيه هو فعل القول. أما الحركة والنزوع والفكر فالعرب فيها مفعول بهم. فالعرب أسماء مفعول دائماً. مخدوعون، مضحوك عليهم، ضحايا مؤامرة، مقتولون، مسروقون.. مظلومون مضروبون، حتى إذا كانوا فاعلاً في القتل، فإنهم قتلة بعضهم، قتلة أوطانهم، قتلة مواطنيهم. أما في فعل القول، فحدث عنّا ولا حرج. نتحدث بطلاقة عن عيوب ومؤامرات وأطماع الآخرين ضدنا، ولا نتحدث عن عيوبنا، وعن أننا ضحايا أنفسنا ولسنا ضحايا الآخرين - وأن البغاث بأرضنا يستنسر.. أي أن البغاث ذلك الطائر أو حتى الحشرة التي لا قيمة لها تتحول في أرضنا إلى نسر - بأيدينا لا بأيدي زيد أو عمرو – والإرهاب بضاعتنا التي ردت إلينا. والحديث عن أن «داعش» و«القاعدة» و«النصرة» وكل الأورام الإرهابية من صناعة الغرب واستخباراته وإسرائيل وموسادها أصبح حديثاً مملاً وإنْ صح وكاذباً، وإن صدق وسقيماً وسخيفاً، حتى إذا كان منطقياً. وهو في البداية والنهاية شهادة ضد العرب، وعليهم وليست شهادة لهم. وهذا الحديث السخيف يؤكد أيضاً أن العرب مفعول بهم. فإذا كان أهل الغرب والشرق وإسرائيل هم الذين صنعوا الإرهاب وأنتجوا الجماعات الإرهابية، فالعرب هم المصنوع أي هم المفعول بهم. هم المادة الخام التي يصنع منها الغرب أو الشرق أو إسرائيل الإرهاب وجماعاته وأورامه، فثقافة الغرب ثقافة موت وتدينهم تدين موت، وثقافة وتدين كراهية أيضاً. وثقافة وتدين هدم.

ومسألة تجديد الحوار الديني أو تغييره أو تدويره أو تطويره لم تعد ذات قيمة لأن العرب تحولوا إلى أحزمة ناسفة بشرية، ولأن الإرهاب عربي بامتياز وليس إسلامياً أبداً ولا مسيحياً ولا يهودياً ولا بوذياً.. والإرهاب أساسه الكراهية، كراهية الحياة والآخر والأوطان وكراهية الذات أيضاً حتى يصبح الانتحار استشهاداً ويصبح الموت بطولة، وأول العلاج الاعتراف بالمرض.

ونحن لا نريد في عالمنا العربي الإرهابي أن نعترف، بل نكابر ونرمي غيرنا بدائنا وننسل، ونتهم العالم كله إلا أنفسنا، لا نريد أن نعترف بأنه لا يوجد في العالم أي إرهابي إلا ولابد أن يكون عربياً أو من أصول عربية.. لا نريد أن نعترف بأن الخطاب العربي كله، سواء كان دينياً أو سياسياً أو ثقافياً هو دائماً خطاب تبريري. وليس خطاب حل، خطاب تشخيصي وليس خطاباً علاجياً.. خطاب يخلط الأوراق خلطاً سيئاً حتى لا نستطيع أن نتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.

وفي خضم ما نسميه حرباً على الإرهاب أفاجأ ببرامج يقال إنها دينية على الشاشات العربية بل الشاشات الرسمية مخصصة لكراهية الآخر وعدم الاقتداء به ومخالفته.

وعودة سخيفة لحديث الولاء والبراء من منطلق إرهابي واضح وتسمية اليهود والنصارى، وكل من خالفنا كفاراً، رغم أن الحقيقة التي يمكن أن نفقأ بها عين هؤلاء الكارهين أن عالمنا اليوم لا يوجد به هذان المعسكران الواضحان اللذان كانا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهما معسكر الإيمان في مواجهة معسكر الكفر..لا يوجد في العالم الآن مؤمنون وكفرة، ولكن يوجد منافقون تحت أي لافتة. معسكر منافقي الدين ومعسكر منافقي العلمانية والليبرالية، لذلك لم يعد هناك معنى لحديث الموالاة والمعاداة وحديث الولاء والبراء وحديث مخالفة الكفار. والقول إن المسلم يجب أن يخالف الكافر خطأ كبير لأن المسلم ليس لفظاً مضاداً للكافر، وإنما اللفظ المضاد للكافر هو المؤمن، ولا يوجد اليوم مؤمنون ولا كفرة، ولكن يوجد مسلم منافق في مواجهة مسيحي منافق، ويهودي منافق وملحد منافق أيضاً، منافقون في مواجهة منافقين هذا هو الخطاب الأمثل والتوصيف الأوفق والأصوب. والجميع في الدرك الأسفل لا فضل لأحد على أحد في هذا الدرك. والحروب الدائرة حالياً، وكذلك الهجمات الإرهابية هي صراع منافقين ضد منافقين شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً. والخطاب الديني في زمن النفاق والمنافقين لا محل له من الإعراب والحديث عن تجديده وتطويره عبثي، والحديث الأصوب هو إلغاء أو وقف الخطاب الديني لأنه صار خطاباً منافقاً لا قيمة له.

والإعلام العربي مثل الأمة كلها مفعول به. إعلام مثل أمته مستهلك لأحداث العالم، وليس صانعاً لهذه الأحداث، فالأمة العربية أمة مستهلكة لأحداث يصنعها الآخرون، وهو ما يسميه الفلاسفة التفكير عن طريق الغير أو عن طريق الآخر. أو ثقافة النقل لا العقل والحق أن سياسة واقتصاد وثقافة وتدين وعقيدة العرب نقل لا عقل. لذلك أزعم أننا مفعول به حتى في أزماتنا وقضايانا وحروبنا وصراعاتنا. ونحن وقود حرب سواء كنا إرهابيين، أو كنا من يقاتلون الإرهابيين، وكل المآسي التي تراها في أمتك العربية ولدت ووجدت لتبقى لا لتُحل. مأساة فلسطين ومآسي سوريا والعراق وليبيا واليمن وكوارث أخرى في الطريق، كلها لن تجد طريقها إلى الحل والنهاية، فمن بدأ المأساة لا يريد أن ينهيها، لأنه يتربح منها، ولأن «سايكس بيكو» في نسختها المئوية العام المقبل.. اتفاقية تقسيم لا تعتمد على الورق، ولكنها تعتمد على الإرهاب وبالتحديد على «داعش» الذي يتولى نيابة عن القوى الدولية والإقليمية تقسيم المقسم وتفتيت المفتت. «سايكس بيكو» في ذكراها المئوية العام المقبل لن تدمر الأمة تحت راية الاستعمار والاحتلال ولكنها ستدمرها وتمزقها تحت راية الإسلام.

والفرق كبير جداً، فالتدمير تحت راية الاستعمار والاحتلال لقي ويلقى مقاومة شرسة لكن التدمير والتمزيق تحت راية الإسلام يلقى الترحيب والتصفيق والهتاف والتهليل والتكبير وهو ما يحدث الآن. ففي سوريا وليبيا واليمن والعراق والصومال، وغيرها من الأجزاء المنكوبة في الأمة يدمر الإرهابيون أوطانهم ويقتلون أبناء أوطانهم ويهلكون الحرث والنسل ويقسمون المناطق وهم يهتفون: «الله أكبر».. وهكذا فإن التفتيت هذه المرة يحدث بمباركة الشعوب المغيبة باسم الدين. التمزيق يحدث ولا يقاومه أحد، لأن مقاومة التدمير والإهلاك والقتل باسم الله حرام. ولا تقل بعد ذلك إنها مؤامرة فنحن مفعول بنا. والمفعول به هو الجاني وهو المجني عليه.. لا تتحدث عن مؤامرة ولكن اسأل نفسك: لماذا تنجح المؤامرة؟ لماذا تجود زراعة المؤامرات في التربة العربية؟ لا شيء سوى أن العرب مفعول بهم، وأن الإرهاب الذي يضرب حوالينا وعلينا هو بضاعتنا التي ردت إلينا.. والغرب هو الساحر والعرب هم المسحور، والكيد والإرهاب ارتد إلى كل النحور!

*محمد أبو كريشة*

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا