• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

التوصل إلى اتفاق في باريس سيكون المحطة الأولى في بلورة الجهود الدولية العملية

قمة باريس للمناخ.. بداية لتكثيف الخطوات العملية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 22 نوفمبر 2015

ستشهد العاصمة الفرنسية باريس انعقاد المؤتمر الحادي والعشرين للدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، حيث سيجمع المؤتمر ممثلي 190 دولة في مسع إلى صياغة اتفاق عالمي يحدد الخطوات العملية الواجب اتخاذها للحد من تداعيات تغير المناخ حتى العام 2020. ونحن في دولة الإمارات نحرص دوماً على تقديم خبراتنا ودعمنا لهذه الجهود التي من شأنها تحقيق منافع اقتصادية واجتماعية وبيئية يستفيد منها الجميع. إن علوم المناخ أكدت ضرورة العمل على الحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض لتجنب تأثيراتها المباشرة التي تشمل ارتفاع مستوى سطح البحر، واشتداد درجات الحرارة في أشهر الصيف، فضلاً عن التأثيرات غير المباشرة لهذه الظاهرة في حال تعطل نشاط الإنتاج الزراعي العالمي الذي نعتمد عليه في الحصول على الغذاء. ومن المتوقع أن تكون اتفاقية باريس التي يجري التفاوض عليها منذ عدة سنوات، أكثر تأثيراً وشمولاً من أي اتفاقية سابقة، حيث تتمثل قوتها الأساسية في هيكلتها المرنة التي تدعو كافة الدول إلى تقديم «مساهمات وطنية محددة» للتخفيف من الانبعاثات الضارة والتكيف مع كافة التغيرات الناتجة عن ظاهرة تغير المناخ. وبالفعل، فقد اتخذت نحو 160 دولة، بما في ذلك دولة الإمارات وجميع الاقتصادات العالمية الكبرى، إجراءات تنسجم مع قدراتها وأولوياتها الوطنية. ومما لا شك فيه أن هذه الإجراءات مجتمعة لها أهمية جوهرية كبرى، إذ تؤكد وكالة الطاقة الدولية أن تنفيذ تلك الإجراءات بالكامل كفيلٌ بالحد من ارتفاع درجات الحرارة بأكثر من 2.7 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية. وهذا بالطبع ليس كافياً لتحقيق المعيار التقريبي الذي حدده بعض العلماء لتجنب أسوأ تأثيرات تغير المناخ وهو 2 درجة مئوية، لكننا نسير في الاتجاه الصحيح نحو تحقيق هذا الهدف. وفي هذا السياق، أطلقت دولة الإمارات خطتها الوطنية للمناخ، وهي خطة طموحة تستند إلى سياسات وطنية واضحة، حيث تهدف إلى رفع حصة إمداد شبكة الكهرباء باستخدام الطاقة النظيفة من 1% في 2014 إلى 24% بحلول عام 2021، باستخدام كل من الطاقة النووية والطاقة المتجددة. كما تتضمن الخطة مختلف الإجراءات التي ننفذها على كافة الأصعدة، بما فيها تعزيز معايير كفاءة الطاقة وتكنولوجيا التقاط الكربون واستخدامه وحجزه، والحفاظ على غابات أشجار القرم المعروفة بقدرتها العالية على التقاط الكربون وحجزه، والاستثمار في وسائل النقل العام. وتشكل هذه الخطوات مجتمعة جزءاً من هدف وطني أشمل هو تنويع مواردنا الاقتصادية. ومن المهم أن ندرك أن معظم الجهود الدولية تم توضيحها في المساهمات الوطنية المحددة التي قدمتها الدول المشاركة وذلك قد يعد بحد ذاته نجاحاً لمؤتمر الأطراف، حيث استطاعت الاتفاقية تحفيز دول العالم على تقديم تلك المساهمات. ونحن في دولة الإمارات نتطلع إلى تحقيق بعض النتائج الرئيسية خلال مؤتمر باريس للمناخ والتي تشمل: أولاً، نحن بحاجة للتوصل إلى اتفاق عالمي يجمع كافة الدول، وينبغي أن يكون شاملاً ويفسح المجال لاتخاذ إجراءات متعددة مع مراعاة اختلاف الظروف المحلية للدول. وهذه مسألة بالغة الأهمية لضمان أن يرسل مؤتمر باريس إشارة واضحة إلى قطاعات الأعمال والتمويل والصناعة وعامة الجمهور بهدف دفعهم إلى اتخاذ خطوات للتصدي لتداعيات تغير المناخ. ثانياً، ينبغي أن يضمن الاتفاق على المدى البعيد النهج المرن الذي حقق الكثير من النجاح في العام الحالي. ويجب أيضاً تشجيع الدول على اتخاذ إجراءات عملية طموحة تتناسب مع الظروف الوطنية لكل منها، مثل تركيز دولة الإمارات على تنويع الاقتصاد والانتقال من اعتماده على المصادر الهيدروكربونية إلى اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار. ثالثاً، يتعين على الدول المتقدمة الوفاء بتعهداتها تجاه الدول النامية التي تم الاتفاق عليها مسبقاً وتشمل توفير الدعم المالي وتعزيز وتسريع تطبيق آليات نقل التكنولوجيا، والمساهمة في إجراءات التكيف مع تغير المناخ، وبناء القدرات، مما سيسهم في رفع المعنويات وتحفيز الجميع لضمان مستقبل أكثر ازدهاراً. ومن المهم جداً إدراك أن التوصل إلى اتفاق في باريس سيكون المحطة الأولى في بلورة الجهود الدولية العملية، فإذا أردنا حقاً أن نتصدى لتداعيات تغير المناخ، علينا إذاً أن نحول الاتفاقات السياسية إلى خطوات ملموسة. وهنا تحديداً تكمن قوة دولة الإمارات وتفوقها، فمن خلال تركيزنا على التنويع الاقتصادي، استطعنا أن نبني سجلاً حافلاً في خلق قطاعات وفرص جديدة. وفي ظل التوجيهات السديدة لقيادتنا، نجحنا في جعل الطاقة النظيفة مكوناً أساسياً في خططنا الاقتصادية المستقبلية. وقامت دولة الإمارات باستثمارات محلية طموحة عبر إطلاق برنامج لبناء محطات آمنة للطاقة النووية السلمية، إضافة إلى استثمارات جدية في مجال الطاقة المتجددة، بما في ذلك مجمع الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية، ومحطة شمس 1 للطاقة الشمسية المركزة. وأصبحت دولة الإمارات من كبار المستثمرين عالمياً في محطات الطاقة المتجددة الرائدة من خلال استثماراتها في مشاريع مثل «مصفوفة لندن» لطاقة الرياح البحرية، وثلاث محطات للطاقة الشمسية المركزة في إسبانيا. وتم دعم هذا الاستثمار بأنشطة من شأنها أن تضمن لدولة الإمارات قدرة مستدامة على إنتاج الطاقة المتجددة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، معهد مصدر الذي يتم فيه إجراء أنشطة البحث والتطوير العملية الرائدة، وتدريب وإعداد جيل جديد من الطلبة في العديد من التخصصات ذات الصلة بالتكنولوجيا النظيفة والطاقة والمياه للمساهمة في التصدي لتداعيات تغير المناخ. ولنتمكن من التصدي لتداعيات تغير المناخ، يتوجب علينا اتخاذ خطوات عملية لا تقتصر فقط على الحد من انبعاثات الغازات الضارة، بل تشمل تعزيز الشراكات العالمية لتشجيع الابتكار والحلول العملية، وكذلك الشراكة بين القطاعين العام والخاص، إذ إن المواءمة ما بين السياسات العامة المتعلقة بقطاعات الطاقة والمناخ، وما يقدمه القطاع الخاص والأفراد المبدعون من حلول مبتكرة وأفكار ريادية، تسهم في بلورة مشروعات مستدامة. وفي هذا الإطار، حرصت دولة الإمارات على تحفيز الشراكات المبنية على المعرفة والابتكار بين القطاعين العام والخاص مما ساهم في دفع عجلة التنمية المستدامة، وفتح فرص استثمارية كبيرة، واستقطاب مؤسسات وشركات دولية مثل «سيمنس» وجنرال إلكتريك وغيرها، حيث وجدت تلك الشركات منظومة متكاملة متمثلة في مدينة مصدر التي تتمتع ببنية تحتية متطورة تراعي أعلى معايير الاستدامة، إلى جانب احتضانها لمعهد مصدر الذي يعد إحدى المؤسسات التعليمية المرموقة والمتخصصة بمجالات الطاقة المتجددة والتقنيات النظيفة. ولتحقيق الدمج بين الحلول المبتكرة والإبداعية والتصدي لتحديات المناخ، لابد من تشجيع الابتكار وتوظيفه لتحويل التحديات إلى فرص استثمارية مجدية. ويحتاج ذلك إلى «حواضن» متخصصة لتوجيه الابتكارات وتطويرها بحيث تستجيب بشكل عملي للتحديات الأساسية، بما فيها ضمان أمن المياه والطاقة والتصدي لتداعيات تغير المناخ. ومن الأمثلة على جهود دولة الإمارات في هذا المجال المشروع التجريبي لتحلية المياه بالاعتماد على الطاقة الشمسية الذي أطلقته مصدر ليكون الأول من نوعه في المنطقة وذلك ضمن خطة شاملة تركز على العلاقة المترابطة بين الطاقة والمياه. كما برزت إسهامات الدولة في الابتكار عبر تنفيذ مشروع التقاط الكربون واستخدامه وحجزه، الذي يعد مثالاً واضحاً للاستفادة القصوى من الموارد المتوفرة بصورة متكاملة مع مراعاة الحفاظ على البيئة والعوائد الاقتصادية المجدية. ويحتاج تبني الأفكار المبتكرة إلى منصات عالمية لعرضها ومناقشتها وتمهيد الطريق أمامها للالتقاء بصناع السياسات والمستثمرين لتسهيل تطبيقها على نطاق واسع. وبفضل توجيهات القيادة، فإن دولة الإمارات حريصة على الاستمرار في مد جسور التواصل والتعاون والقيام بدور محوري ضمن الجهود العالمية من خلال دعم كافة الخطوات الإيجابية والعملية لإيجاد الحلول المنشودة. ولا يخفى على أحد أن دولة الإمارات أصبحت اليوم مركزاً رئيساً للتعاون والحوار العالمي، وخير الأمثلة على ذلك هو أسبوع أبوظبي للاستدامة الذي ستنطلق أعماله في شهر يناير القادم، والذي يعد أكبر تجمع سنوي عالمي يعنى بالطاقة النظيفة والمياه والتنمية المستدامة، حيث يضم تحت مظلته العديد من المؤتمرات والفعاليات، بما فيها الجمعية العامة للوكالة الدولية للطاقة المتجددة (آيرينا)، والقمة العالمية لطاقة المستقبل، والقمة العالمية للمياه، وتكريم الفائزين بمختلف فئات جائزة زايد لطاقة المستقبل. يضاف إلى ذلك استضافة دولة الإمارات لفعاليات كبرى مثل المؤتمر العالمي للطاقة 2019 ومعرض إكسبو 2020 في دبي، مما يرسخ مكانة الدولة كوجهة عالمية رائدة للتعاون في ابتكار وتطوير حلول عملية لمستقبل أفضل. إن مشاركة دولة الإمارات في المؤتمر الحادي والعشرين للدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ في باريس تشكل استمراراً طبيعياً لنهج المبادرات الإيجابية والقابلة للتحويل إلى حلول عملية تسهم في إيجاد الحلول المطلوبة. ومن المهم أن ندرك جميعاً أن التوصل إلى الاتفاق المنشود في باريس سيكون بداية جديدة لمرحلة الخطوات التطبيقية العملية التي ينبغي أن يشارك فيها المجتمع الدولي بفعالية من أجل الحد من تداعيات تغير المناخ. *د. سلطان أحمد الجابر* *وزير دولة والمبعوث الخاص لشؤون الطاقة وتغير المناخ

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل تعقد ان أسعار المدارس الخاصة مبالغ فيها؟

نعم
لا