• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

ما لم يتم وضع حد للصراع الدائر في سوريا ودحر تنظيم «داعش» في عقر داره، فلن تكون أية مدينة العالم بمأمن

روسيا والحرب على الإرهاب

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 20 نوفمبر 2015

بالرغم من أن التفاصيل المتعلقة بالهجمات الإرهابية التي تعرضت لها باريس يوم الجمعة الماضي وأودت بحياة ما يزيد على 120 شخصاً، لا تزال مجهولة، فلقد أعلن تنظيم «داعش» الإرهابي مسؤوليته عنها. وينبغي على كل الدول المشاركة في الصراع الدائر في سوريا أن تضع في حسبانها الخبرة الروسية في معالجة هذا النوع من الإرهاب، وبأنه لن يتوقف ما لم تتم معالجة أسبابه الأساسية.

وقال الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند صباح السبت الماضي: إن هذه الهجمات تعتبر «عملاً من أعمال الحرب»، وهو من تنفيذ «جيش جهادي». ويبدو هذا الكلام متطابقاً مع منطق الأمور بالرغم مما بدا وكأن بعض المهاجمين لم يتلقوا تدريباً كافياً ولا هم مواطنون فرنسيين أو مقيمون في فرنسا (لاحظ شهود العيان المهاجمين وهم يطلقون النار بشكل عشوائي على الحشد المتجمع في دار باتاكلان وقالوا إنهم كانوا يتحدثون الفرنسية من دون ظهور لكنة أجنبية في طريقة نطقهم لها). وكان أربعة من أصل ثمانية مهاجمين– ثلاثة منهم كانوا قريبين من استاد فرنسا لكرة القدم، حيث كان الفريق الوطني الفرنسي يلعب مباراة مع نظيره الألماني، وكان الرابع في شارع فولتير- فجروا أنفسهم من دون أن يتسببوا بأضرار تُذكر. وذهب ضحية هذه التفجيرات الوحشية مدني واحد. وتمكن الإرهابيون الآخرون من قتل أكثر من 120 شخصاً عندما بدأوا بإطلاق النار عشوائياً وبشكل مفاجئ على المشاهدين في قاعة «باتاكلان» الموسيقية وأيضاً على رواد مقهى مكتظ بالزبائن. وتأتي هذه الهجمات المتزامنة لتكرّس المخاوف من انتقام الإرهابيين بعد وقت ليس بالطويل على الهجوم الذي تعرض له مقر مجلة «شارلي إيبدو» الساخرة في يناير الماضي والذي خلف 17 قتيلاً. ومثل هذا النوع من الهجمات أصبح مألوفاً بالنسبة للروس. ففي عام 2004، شهدت روسيا سلسلة من الهجمات الإرهابية سببت صدمة اجتماعية حقيقية في أوساط السكان. وكانت الحرب الشيشانية الثانية بين قوات الأمن الروسية والجماعات الانفصالية في القوقاز متواصلة منذ خمس سنوات، عندما عمد مهاجم انتحاري إلى تفجير قطار أنفاق في موسكو في شهر فبراير 2004، وقتل 42 شخصاً. وفي ذلك العام أيضاً، لقي عشرة مواطنين روس حتفهم بانفجار قنبلة في سوق مزدحم بمدينة «سمارا». وبعد ذلك بقليل تعرض ضباط شرطة في جمهورية إنجوشيا القوقازية إلى هجوم إرهابي ذهب ضحيته 90 مدنياً، فيما فجّرت انتحارية نفسها قريباً من محطة قطار أنفاق فقتلت 10 مواطنين، وكان من الممكن أن يؤدي هذا الهجوم الأخير إلى سقوط عدد كبير من الضحايا لو تمكنت الإرهابية من الهبوط إلى داخل المحطة إلا أن ضابطاً شرطياً تمكن من التصدي لها وكان من بين ضحايا التفجير.

وأخيراً، وفي بداية سبتمبر الماضي، عمدت عصبة شيشانية مسلحة من احتجاز 1128 تلميذاً في مدرسة بمدينة بيسلان في أوسيتيا الشمالية مات منهم 334 من ضمنهم 186 طفلاً خلال حصار قوات الأمن لهم لمدة ثلاثة أيام. وانتهت المأساة عندما اقتحمت القوات الخاصة المبنى وقتلت 31 إرهابياً.

وشهدت روسيا عدة هجمات إرهابية بعد تلك التي حدثت في ذلك العام المرعب إلا أنها لم تكن بمستوى خطورة سابقاتها. وفي محاولة منه لوضع حد لهذه الأحداث، عمد فلاديمير بوتين إلى تنصيب ابن أحد أهم شيوخ المسلمين في الشيشان ويدعى «أحمد قاديروف» الذي قتل في هجوم إرهابي آخر عام 2004، حاكماً تابعاً له في الشيشان. وأراد «رمضان قاديروف» الذي بلغ عمره 29 عاماً، الانتقام لموت أبيه فعمد إلى تأسيس شبكة استخباراتية فعّالة وقام بنشرها في المناطق التي تكثر فيها النشاطات الإرهابية.

وحظي «قديروف» بدعم مادي سخي من بوتين مع تفويض كامل بتجاهل القوانين الفيدرالية، ولم يبقِ على حياة أي إنسان ممن يعتبرهم أعداء. وتطلب الأمر منه ثلاث سنوات لإنهاء الحرب ومنع الإرهابيين من القيام بأي هجوم في المدن الروسية، وكانت حملته ضد الإرهابيين ينطبق عليها الوصف الذي أطلقه «أولاند» على الحرب ضد «داعش» عندما قال: «لا رحمة فيها ولا شفقة».

وربما كان إرهابيو باريس يتبعون نفس الأساليب التي اتبعها الانفصاليون الشيشان في المدن الروسية. وبناء على هذه الحقيقة، يتحتم على فرنسا وبقية الدول المشاركة في التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، أن تفترض بأنها أصبحت الآن هدفاً للإرهابيين مثلما حدث في باريس. وهم الآن بأمس الحاجة لمعرفة ما إذا كان من الأفضل لهم تبنّي أسلوب بوتين لاستئصال شأفة الإرهاب. وصحيح أن أسلوبه نجح في الشيشان، إلا أن من المشكوك فيه أن يحقق نجاحاً مماثلاً قي سوريا. وهناك أمر بالغ الوضوح، فإذا لم يتم وضع حد للصراع الدائر في سوريا ودحر تنظيم «داعش» في عقر داره، فلن تكون أية مدينة في العالم بمأمن، وقد تتذوق من نفس الكأس الذي تجرعته باريس يوم الجمعة الماضي.

ليونيد بيرشديسكي*

*محلل سياسي روسي مقيم في برلين

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا