• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

للكاتبة من السرد ما لنقطة ضوء في المدى..

سَردُهُنَّ.. من ضيق الأنثوي إلى سعة الوجودي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 19 نوفمبر 2015

تبنى الحكاية بكل براءة في الليل وعلى لسان أنثى فاقدة للضلع الذي خرجت منه، فتتلعثم بالكثير من الخرافات والأكاذيب بغية السلوى والنسيان. وحدهم الأطفال من يدونون الحكايات الليلية في أحلامهم، ويحفظون صوت السارد الأول. إنها الجدة... الأم.. الحبيبة.. الحاضنة.. إنها هي... المرأة.. السارد الأول الحكاية الشيَّقة الأولى تخرج دائماً من فم أنثى حزينة وخائفة، محلّقة في الوحشة، وجانحة في الخيال. هي المرأة، ذلك الكائن الشفيف الملتصق بالحكايات والأساطير والخرافات، دخلت الميثولوجيا كعنصر مؤثر تحكي فيه ويُحكى فيه عنها، حيث كانت إلهة في العديد من الحضارات القديمة. (النساء هن الأقدر على سرد الحكايات) (1) هكذا تصرّح الروائية التركية إليف شافاق، فالمرأة بما تملك من حكمة نسائية وثقافة شفهية وعواطف عالية هي أقدر من يقوم بمهمة القص والسرد، المرأة هذا الكائن الحدسي والحساس والشفاف، وهذه الكينونة القائمة على المشاعر والأمومة والنبوءة والعلاقة الشفيفة مع الوجود، بهذه الصفات الإبداعية هي أحق من غيرها في التعبير عن همومها العامة وعن إعادة صياغة وجهة النظر الفلسفية والتاريخية للكون وللطبيعة البشرية بشكل عام، ومد علاقة سرية مع مفردات الطبيعة الغامض منها والكامن، ولذلك رغم حرمانها من مفردات الخبرة والتجارب المتاحة للرجل المبدع، إلا أنها قادرة على استكناه الحياة والطبيعة وقلب موازينها حين تواجه حالة إعصار يشبه المخاض والولادة لكينونة أخرى جديدة تعيد للأوزان موسيقاها وللطبيعة مفرداتها الضائعة، وتعبث قليلاً بالأمكنة والأزمنة.. بالجغرافيا وبالغرف الضيقة وبالأماكن المحدودة، وحتى بمعنى الوطن الضيق الذي يتسع بالخرافة، على أن وطن المرأة هو الكون كله، وغرفتها هي الوجود بأكمله، وأوراقها هي أوراق الشجر أينما نمت وتساقطت، وحبرها هو ماء البحار وماء الأمطار والأنهار أينما تكون.... وأهلها؟ الناس جميعهم أهلها، وحنينها هي القلوب الطيبة أينما تكون. ولأجل انفتاح المرأة الكلي ليس على النص وحده، وإنما قبل ذلك على الحياة كلها، لابد من الرحلة الغامضة القلقة والسرية نحو الذات والوجود، ولابد من ألم مبرح ومعاناة استثنائية. (من الوهم إلى الإشراقات ومن الغربة إلى الاغتراب تنسج الحكاية الجديدة معانيها الصادقة والمفاجئة، ترفع الأنثى كفاً مخضباً باليقين أنها كائن تم قمعه بسبب الخوف منه، وأنها قوية وقادرة ومتمكنة من نسج حرير العلاقات الصحيحة مع الطبيعة والوجود، لا لضعف تم تهميشها، ولا لمحدودية تم تكريس دونيتها، وإنما لخوف من عنفوان الكينونة.... كالأرض والطبيعة لا يمكن التكهن بتقلباتها الطبيعية). (2) المرأة في بؤرة القلق الكون والذات، حين ينثر ركام الصراع رماده على الجميع فإنه ينثرها بشكل أكثر قوة على المثقفين جميعاً دون حصر لجنس معين، باعتبار أن المعرفة لغة العلاقة المكثفة والصراعية مع الوجود. وعلى ذلك نتساءل: هل يجوز تصنيف الإبداع بحسب جنس منتجه؟ رغم أن إبداع كلا الجنسين يلتقي في نهاية المطاف عند معطى واحد، ألا وهو البعد الإنساني الجامع، ما يجعل الإبداع نشاطاً إنسانياً وفضاءً يطل منه الجميع نحو التألق والتشارك والتسامح.. والخصوصية أيضاً. إن تدفق المرأة روائياً هو أحد مستويات الوعي العميق لديها، وقياساً على ذلك، فإن المرأة الخليجية اليوم تجاوزت روائياً مراحل الحضانة الأولى والنشأة الأولى للرواية العربية، وأصبح يوماً بعد يوم يزداد وضوح صوتها ووعيها ومعرفتها بأزمات واقعها الإقليمي والعربي والعالمي ومعرفتها الوجودية والتاريخية حتى لو لم تمتثل بعد كما يجب لدى غالبية الكاتبات في رواية ناضجة يشار إليها بالبنان. المرأة المبدعة العربية بشكل عام لا تزال باحثة على الحواف، لكنها مرشحة أكثر للدخول في عمق الأشياء وخلخلة الوعي والزمن والتاريخ، فهي ملكة السرد الذي أضاعته طويلاً ووجدته أخيراً، وهي بؤرة القلق المركب في أزمة العلاقة بين الذات العربية وبين الذات الإبداعية والسلطات السياسية والفكرية والروحية. في الحقيقة إن جل النقاد يؤكدون على أطروحة الأدب النسوي، ويحرصون على تمييزه عن أدب الرجال، بالرغم من أنهم يختلفون في رصد ملامح التميز في هذا الأدب عن أدب الرجال فيه، فبعضهم يحاول حصر التضاد بين الأدب الذكوري والأدب الأنثوي في طبيعة الموضوعات التي تأتي عادة ذات علاقة مباشرة بالشروط الاجتماعية والبيولوجية التي تحكم المرأة، خلافاً للموضوعات العامة التي يطرقها الكتَّاب من الرجال، وهي الموضوعات ذات الصلة بالشروط التاريخية للمجتمع أو الأمة أو البشر بشكل عام. وفقاً لهذا التصنيف المعتمد على طبيعة الموضوعات المطروحة، من جهة بعض النقاد، فإنهم يرون أن أعمال الكتَّاب أكثر تجريدية وعمومية من أعمال الكاتبات، لإثبات ذلك يدعو الدكتور رشيد بوشعير (3) إلى استحضار بعض أعمال توفيق الحكيم، يوسف إدريس، نجيب محفوظ، مصطفى محمود، محمد ديب، ويتساءل: (من من الكاتبات تناولت موضوعاً تجريدياً ميتافيزيقياً كعلاقة الإنسان بالزمن، أو علاقة الإنسان بالمكان على نحو ما فعل توفيق الحكيم في (أهل الكهف) و؟ ومَنْ من الكاتبات تناولت قضية الحرية وعلاقة السيّد بالمسود كما فعل يوسف إدريس في (الفرافير)؟ وَمنْ من الكاتبات تناولت مسيرة الفكر البشري منذ فجر التاريخ حتى الآن، كما فعل نجيب محفوظ في (أولاد حارتنا)؟ ويؤكد الدكتور بوشعير أن أعمال الكاتبات العربيات بشكل عام تتسم بالواقعية والالتصاق بالحياة المعيشة، خلافاً لأعمال كثير من الكتاب العرب التي تجنح نحو الأفق الفلسفي الذي يتعالق مع الشرط الوجودي البشري. أما الدكتور فوزية رشيد أكدت في ورقة قدمتها ضمن الملتقى الأدبي الخامس لرابطة أديبات الإمارات (4)، أن صوت المرأة الكاتبة لا ينحصر في القضايا النسوية الخاصة كتجارب البيت والعلاقة مع الزوج أو الأخ أو المجتمع وتجربة الحمل والولادة، وإنما في كل ما يتعلق بالوعي الإنساني الناضج من اهتمامات مختلفة وعامة كالسياسة والاقتصاد وعلم النفس والتاريخ والقضايا الفلسفية الكبرى وقضايا الوجود والإنسان وعلاقته بذلك الوجود، فالتمويه الذي عاشته الذاكرة البشرية وعاشه الوعي البشري تمويه مركب حول الذات، ذات الرجل وذات المرأة كلاهما يحمل صورة مزيفة عن فحواه وحقيقة وجوده ويسير في دروب الحياة مثقلاُ لا بالحقيقة، وإنما بالزيف والتمويه والأوهام. وعلى أي حال فإنه يجب التنويه على أن ما ذُكر سلفاً لا يعني أن الموضوعات المفضلة للكاتبات أقل أهمية من الموضوعات التي يفضلها الكتاب، (من قال إن الأيديولوجيات وشنّ الحروب هي قضايا أكثر أهمية من إنجاب طفل وتربية فرد سليم؟ إن الشعارات الطنانة والأيديولوجيات المجردة قد سقطت كلها عند أقدام الفلاحين البسطاء الذين أرادوا الماء الأنظف كي يشربوه والخبز الأفضل كي يأكلوه).(5) وبذلك وجب تثمين كل الموضوعات والقضايا التي يطرحها الكتاب والكاتبات، سواء كانت موضوعات وقضايا تتصل بالحياة الاجتماعية والاقتصادية اليومية، أم كانت تتصل بالآفاق المجردة أو الميتافيزيقية التي تلقي الضوء على إنسانية الإنسان. هبة الأنوثة والسحر الأنثوي يكتنز مفهوم (السحر الأنثوي) بأسمى القيم في حياة المرأة، فالأنوثة حسب تصور (بيتي فريدان): «إحساس غامض وغريزي وعميق وشديد القرب إلى عملية خلق الحياة»، وقد دعت فريدان بقوة إلى إعادة تشكيل كامل للصورة الثقافية للأنوثة بما يسمح للمرأة بالوصول إلى النضوج، والهوية، واكتمال الذات. أضفى مفهوم (السحر الأنثوي) طابعاً جذاباً على الأنوثة بوصفها مصدراً للخصوصية الأنثوية، بما فيها الخلود الأنثوي المشع للمرأة، لكنه حجزها خلف مفاهيم الإغراء والرغبة والجاذبية، ومن المحتمل أن ينتقص ذلك جانباً من البعد الإنساني لها، يدفع إلى الحاضر في الوقت نفسه بفكرة تشيؤ الأنوثة، وتحولها إلى خاصية إغراء، فلا يصمد السحر بذاته، وإنما سيمتثل لشروط الثقافة الذكورية التي تعيد إنتاجه، إما بوصفه إغراء محضاً، أو باعتباره خصوصية أنثوية خالية من المعنى التي تخلعه تلك الثقافة على الأشياء والأحداث والظواهر.(6) ثم تأتي المؤرخة الفرنسية «إيفون كنيبييلير» لتفتح أفقاً جديداً في مفهوم السحر الأنثوي، حينما ربطته بالأمومة، فقد نقدت الفكرة التي أشاعتها النسوية الفرنسية حول وجود نوع من التعارض بين الأمومة والأنوثة، فالأمومة ركن جوهري من أركان الهوية الأنثوية، «والأمومة لا تقتصر على نشوة نرجسية، ولا على تمام شخصي وفردي، فهي حقيقة اجتماعية تنفرد بها المرأة، وإغفالها أو تجاهلها يؤدي إلى إغفال نصف وقائع الأمومة». وتوضح «إيفون كنيبييلير» الفرق بين الأبوة والأمومة قائلة: «إنه من اليسير، نسبياً، على الأب الوالد أن يرعى ولده، ويأخذ بيده إلى حين بلوغه رجولته، فكلاهما يتقاسمه» أنا «تخصه، لا يشاركهما أحد بذلك، ولكن ما بين الأم الوالدة وابنتها يتعدى الاثنتين، فالمرأة تنقل إلى ابنتها أمرا يعود إلى الجنس البشري، وتوالده، وديمومته، وعلى الأم أن «تخير» ابنتها، أي أن تنشّئها على وجه يفهمها أن جسدها بكامله منخرط في ولادة الحياة، وتناسل البشر». (7) وبذلك فإن إيفون ترى بأن الكاتبات اللواتي تناولن الأمومة تكلمن على جمال الحمل والوضع جديراً بالاهتمام، وجميلاً، ومعجزاً، فهو اللقاء بالكائن الصغير الذي يجهر، منذ ساعاته الأولى بالسمة الإنسانية. وبالتالي فهي تخالف «سيمون دو بوفوار» التي ذهبت إلى أن الأمومة تضع فاصلاً بين المرأة وبين حيازتها خاصية النوع الإنساني بصورته الكاملة، لأن علاقة الأم الوالدة بولدها موسومة بالفهم والذكاء، وطبقاً لذلك، فهي ليست علاقة حيوانية، بل إنها تتعالى تماماً على الحيوانية. ومن ثمَّ فإن فئة «المرأة» ليس لها وجود حقيقي، وإنما هي مجرد إسقاط لخيالات الذكر ومخاوفه. وبالنظر إلى أن كل التمثيل الثقافي المتاح حالياً سواء في صورة الأسطورة، أو الدين، أو الأدب، أو الثقافة الشعبية - من عمل الرجل، فالمرأة مطالبة بأن تقبل على أنها «آخر» بالنسبة إلى الرجل، ويفرض عليها أن «تجعل من نفسها مفعولاً.. وأن تنبذ استقلالها الذاتي. (8) وبذلك نرى أن سيمون دو بوفوار تعالج مفهوم الإحساس بالذات على أنه لا يمكن أن يتكون إلا في مقابل شيء آخر غير الذات، وأن فئة الآخر جوهرية في صوغ الذات الإنسانية بكاملها، وعليه، فإن الأنثوية أمر بيولوجي (فالمرأة لا تولد امرأة، بل تصبح امرأة) على حد تعبير سيمون، أي أن الأنثوية تنبع من التراكيب والتصورات الاجتماعية ومجموعة من القواعد التي تحكم سلوكها ومظهرها. التسامح في السرد الأنثوي ليست القضايا الكبرى والهموم الإنسانية هي من اختصاص الأديب الذكر فقط، وليس الإبداع حالة تنفيسية وليس حالة تعبير عن هموم أنثوية بحتة، وإنما هو حالة اكتمالية وندية مع الكون والمعرفة لسبر أغوار الذات الإبداعية واكتساب المعنى الحقيقي العميق لهذه الذات. للمرأة خصوصية إبداعية حقيقية، وهذه الخصوصية لا تنحصر فقط في الكتابة عن قضاياها ومشاعرها ومعاناتها الخاصة، وإنما تتضح وتتجلى حتى وهي تطرح القضايا والهموم الكبرى المتعلقة بالوجود الإنساني كله، هذا الانشغال والبحث والتجريب في كل ما يتعلق بالوجود هو الطريق الصحيح لوصولها إلى صوتها الخاص، وبالتالي التعبير عما تراه قضية ورسالة تريد توصيلها إلى البشرية مثلما يفعل الرجل. المرأة كائن حدسي حساس شفاف يمتلك فطرة الأمومة والنبوءة والعلاقة الحميمة مع الوجود، لذا يتساءل البعض، هل الإبداع الأقرب إلى التسامح والحوار والمرونة والسلام الداخلي هو عند المرأة الكاتبة أم الرجل الكاتب؟ في استطلاع نشر بالصفحة الثقافية لجريدة الاتحاد (9)، انبثق الجدل الجميل حول من صاحب الإبداع الأقرب إلى التسامح، شارك فيه عدد من المبدعين العرب من نقاد وكتاب ذكوراً وإناثاً، التقت رؤيتهم الفكرية في مصب دافق عذب ورقيق واحد، ألا وهو التشارك في التسامح ما بين الجنسين. ترى الناقدة الجزائرية د. هاجر بكاكرية أن الإبداع الأقرب إلى التسامح والحوار لا يرتبط بامرأة أو رجل، بل بتركيبة الشخص في حد ذاته، ببنائه النفسي والتربوي والأسري والبيئي مهما كان جنسه، فالفكرة لا ترتبط بامرأة أو رجل بل بفكر المبدع ورؤيته للحياة ومنطقه العقلي والوجداني وامتلاكه للقيم، لأن فكرة الإبداع على حد قولها لا ترتبط بوطن ولا بقومية ولا بجنس دون آخر، فلا يمكن ربط المبادئ الأخلاقية بإبداع رجل أو إبداع امرأة بل ترتبط بنظرة هذا الرجل والمرأة للتسامح والحوار، وما يمثله في حياتهما العامة التي تنعكس على الإبداع حتماً لا بفكرة اختلافهما الجنسي، تقول بكاكرية: «لذلك نجد عدداً من النقاد كانوا ضد فكرة التصنيف التي ظهرت مع كتابات فرجينيا وولف أي ما يسمى بالأدب النسوي، لأنه مصطلح يحمل في ذاته ما يهضم حق المرأة ويصنفها على أنها الهامش لا المركز، لأن الأدب أدب بالمعنى العام لا فرق إن كتبه رجل أو امرأة، أما حالة التخصيص فتشير إلى نظرة نقص من المرأة لإبداعها رسختها النظرة الأبوية الذكورية المسيطرة ونظرة عنصرية قزمية من الطرف الآخر وهو الرجل المبدع. كما لا يجوز التصنيف بين أدب الرجل وأدب المرأة. لا يجوز تصنيف الإبداع الأقرب إلى التسامح والحوار أهو عند المرأة أو عند الرجل». (10) وتؤكد على رأي بكاكرية الباحثة التونسية (آمال قرامي) فالإبداع في تصورها فعل إنسانيّ سواء صدر عن الرجل أو المرأة وهو فعل ينشد بناء عالم جديد تسود فيه قيم إنسانية مثلى، تقول آمال: «إن القول السائد بأنّ النساء أكثر قرباً من «الطبيعة» وأكثر تمسّكاً بالسلم والاستقرار والتسامح لا يعكس الواقع بل هو وليد صور نمطيّة تجعل الرجل ممثّل الثقافة والفعل (الصيد، العمل، الحرب، الإنتاج...)، في مقابل المرأة التي تُمثّل الطبيعة (العاطفة، الحنان، الرقّة...)». (11) المرأة الكاتبة لها من السرد ما لنقطة ضوء في المدى.. في النهاية يمكننا الوصول إلى نقطة مضاءة ومتوازية ومسلطة على هاجس الخروج من إطار الحيز الضيق إلى الإطار المفتوح، فهو هاجس مشترك بين الرجل والمرأة في أغلب الروايات، صحيح أن للمرأة صوتها الخاص في الرواية و(أن الجمل المناسبة للرجال والنساء مختلفة) على حد تعبير (فيرجينيا وولف) إلا أنه لا يوجد فرق بين المرأة والرجل في الوعي بالزمن والتاريخ والوجود وحب الكون، ولا في الحيرة أمام حقيقة الموت كحقيقة كبرى، ولا في التساؤل حول مصير الإنسان، ولا في العقيدة الدينية بمختلف أبعادها، وهذه الظواهر كلها تمثل الدوافع العميقة للتعبير عن الذات، وخاصة الذات الإبداعية والذات الداخلة في إطار السرد الروائي. العالم في حقيقته يحوي إشكالات فلسفية كبرى، والمرأة عقل وروح وجسد، تصر وبجدارة على اختراق أسئلتها الكبرى والشائكة وكسر تابو الجسد، إنها في السنوات القليلة الماضية تحاول دخول زمن الكتابة الجديدة، الكتابة الأعمق، وبصيغ إبداعية مختلفة من ذات تحاول أن تتجاوز بشيء من التمرد ضمنية الصورة المكرسة التي كانت في منظار وعيون الآخرين، تكتب في السوريالية والسحر والأحلام ك (أناييس نن)، وفي الحرب والدمار واليتم للكاتبة السويسرية (أغوتا كريستوف) والكاتبة اللبنانية (مي منسى)، وفي الصوفية والروحانية والعشق الإلهي كالتركية (أليف شافاق)، وفي واقع الرأسمالية والإنسان العامل في ظل الحياة الروتينية كالكاتبة الكويتية (باسمة العنزي)، وفي بيوغرافيا الجوع وفلسفة الماء كالكاتبة البلجيكية (آميلي نوثوب).... وهناك الكثير من الأمثلة الدالة على شعاع المرأة الساطع الذي بدأ يمتد في الأفاق العليا لأطروحات خارجة عن حيز الأنثوية إلى حيز الوجود والإنسانية والأسئلة الحياتية الكبرى. أدب التسامح ترى الناقدة الجزائرية د. هاجر بكاكرية أن الإبداع الأقرب إلى التسامح والحوار لا يرتبط بامرأة أو رجل، بل بتركيبة الشخص في حد ذاته، ببنائه النفسي والتربوي والأسري والبيئي مهما كان جنسه، فالفكرة لا ترتبط بامرأة أو رجل بل بفكر المبدع ورؤيته للحياة ومنطقه العقلي والوجداني وامتلاكه للقيم، لأن فكرة الإبداع على حد قولها لا ترتبط بوطن ولا بقومية ولا بجنس من دون آخر، فلا يمكن ربط المبادئ الأخلاقية بإبداع رجل أو إبداع امرأة بل ترتبط بنظرة هذا الرجل والمرأة للتسامح والحوار، وما يمثله في حياتهما العامة التي تنعكس على الإبداع حتماً لا بفكرة اختلافهما الجنسي. كسر الصورة النمطية العالم في حقيقته يحوي إشكالات فلسفية كبرى، والمرأة عقل وروح وجسد، تصر وبجدارة على اختراق أسئلتها الكبرى والشائكة وكسر تابو الجسد، إنها في السنوات القليلة الماضية تحاول دخول زمن الكتابة الجديدة، الكتابة الأعمق، وبصيغ إبداعية مختلفة، تحاول أن تتجاوز بشيء من التمرد ضمنية الصورة المكرسة التي كانت في منظار وعيون الآخرين. الهوامش (1) المصدر: شاكر نوري/ حوار مع أليف شافاق/ صحيفة البيان/ 28/يونيو/ 2013. (2) د. فوزية رشيد/ المرأة والإبداع/ توثيق أوراق عمل الملتقيات الأدبية النسوية لرابطة أديبات الإمارات. ص: 38. (3) هواجس الرواية الخليجية/ د. الرشيد بوشعير/ كتاب دبي الثقافية/ ص:48/ 73. (4) د فوزية رشيد/ المرأة والإبداع/ توثيق أوراق عمل الملتقيات الأدبية النسوية لرابطة أديبات الإمارات/ من عام 1999- 2004م/ ص: 35/ 37. (5) د. بثينة شعبان/ 100عام من الرواية النسائية العربية/ دار الآداب الطبعة الأولى/ بيروت/ ص: 13. (6) د. عبدالله إبراهيم/ السرد النسوي/ الطبعة الأولى/ 2011. ص: 107- 108. (7) إيفون كنيبييلر (الأمومة وهوية المرأة في قلب الحركة النسوية) جريدة الاتحاد/ 21/2/2007. (8) د. عبدالله إبراهيم. مقالة في السحر الأنثوي/ جريدة الرياض/ 21/ 3/2007. (9) جريدة الاتحاد/ الملحق الثقافي/ استطلاع نشر بتاريخ 6/ مارس/ 2014/ محمد القذافي مسعود. (10) المرجع السابق (11) المرجع السابق

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف