• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

طموح المركز: 100 فنان كل 10 سنوات و 1000 منتج فني فريد خلال 100 سنة

مطر بن لاحج: أول غيث الفلك.. مجرّة!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 19 نوفمبر 2015

(مطر).. لم أسأله يومها، هل هناك علاقة بين الماء، أقصد «ماء المطر»، وتجليات الشفافية التي أبداها، في العمل الفني، «ابتسمت» وقتها، عندما جعلني أتخيل وأتصور، أن العمل الفني شيء شفاف، والجاذبية في قدرة تمرير أيدينا أو عقولنا عبره، إنما هو انعكاس. قلتُ له بعد أمسية حافلة بموسيقى اللغة الفنية: لا يمكنك أن تجعلنا نتوقف قليلاً عن التفكير بأن رؤية فولاذ لامع، أقرب إلى الروح من سراب لامع. نوف الموسى ما زلت أستشعر تلك القوة الوجودية، أعتقد أنها السر، قالها مطر في لحظة حضور مذهلة، وهو ينظر إليّ مباشرة: «القوة في أن تبقى مسالماً»، مسالماً من ماذا؟ سألتُ نفسي، مرات عديدة، قبل أن أوثق هذه المقطوعة عن حياة فنان إماراتي اتسع أفقه، لبيع أغلى قطعة فنية محلية، حتى هذه اللحظة، من عمر الفن في الإمارات. مسالماً من ماذا؟ وهو مطر الذي أبهرنا أخيراً بمعرض «المجرة»، ورغم كل الطغيان الساحر لثلاثية أبعاد الكون، إلا أنه في عيون الفنان مطر بن لاحج قطرة من غيث الفلك! مسالماً من ماذا؟ هل يعقل أن يكون ذلك الخوف الذي تحدث عنه بصمت، نعم بصمت، إلا أنه مسموع، يكشف أنين معادلة العمر والوقت، والرأس المليء بالأفكار، والاعتقاد الأزلي بمحدودية عمر العنفوان. مسالماً من ماذا؟ من ذلك التضارب بين غربة الذائقة المجتمعية، والسفر المستمر نحو إنتاج الحياة بصيغات تفوق عمر الجغرافيا، والاستيعاب المذهل للطبيعة، والمجازفة بسيل من التحالفات البصرية. مسالماً من ماذا؟ وهو الذي يبحث الآن حول قطع الركام في فضاءات الانفجارات المتكررة لحالات الولادة والموت الكونية. مسالماً من ماذا؟! (1) مشهد الثقب الأسود في إحدى ليالي الصيف الجميلة، بمقر «سكتش آرت» كافيه، التابع لمرسم مطر، لا توقعات لرطوبة، قد تجتاح اللقاء الصحافي. ودونما انتظار لساعة الحديث، أتت القهوة على مهل، وبدأ ارتشاف مكنون البداية، أو ما أسماه مطر، نصوص المسرحية، تلك المنسوجات القدرية، وتداخلاتها في صناعة عروض حيّة من منصة الخيال. * معروف، أنك المطالب الرسمي بإلغاء دروس «التربية الفنية» من المؤسسات التعليمية، رغم أن مسقط فنك تجلى في روضة، بمنطقة الكرامة في مدينة دبي، لا تذكر اسمها. واللافت يا مطر.. حديثك حول ولادة النجم، وحرفياً كررتها مرتين: تحتاج إلى شروق وغروب، شروق وغروب، أعتقد أنها فلسفة حاضرة في مرسم مطر، وتتمحور حول المعصرة الفنية، وهي مراكز الاكتشاف والتنشيط الفني. أعلم بأنه ليس سؤالاً استراتيجياً لنبدأ به جلستنا الساطعة، ولكن يمكن اعتباره ذلك التلاشي بين بداياتك وبين رحلة اكتشاف المواد الأولية، وصولاً إلى الاحتفاء الخاص بالمواهب، الإجابة هنا ستطلب شيئاً من رؤيتك ومن روحك ومن ذاكرتك حول مرحلة عبورك للثقب الأسود. ** صحيح.. لا أذكر اسم الروضة، بالتحديد، ولكن المعنى في كونها مسقط رأس فني. هي اعتبارات «زمنية» تنبع أهميتها من ارتباطي بها، وليس تأثيرها المباشر عليّ. وعندما نتحدث عن الوهج الأول، ربما يتجلى المعنى، في بداية المحاكاة بين قطعة حديدية قد تكون سقطت من إحدى المخرجات الاستهلاكية، أو أنتجتها الحياة على شكل مصنع صغير، لاستثارة مخيلتي الفسيحة. قد أجدها بين نفحات الرمل، أو ذرات الحصى بأنواعها وأحجامها المختلفة، التي من الممكن أن أكون قد اكتشفتها في منطقة، كانت تسمى «المنيرة»، بالقرب من البقعة المعروفة بديوان الحاكم. هناك عشت من السبعينات إلى الثمانينات. أما حديثكِ عن المسميات والمراحل الدراسية فأتذكر بعضاً منها، (تغيرت بطبيعة الحال)، ومنها: مدرسة الشعب، ومدرسة جمال عبد الناصر، ومدرسة الشافعي، ومدرسة الإمام مالك، وصولاً إلى جامعة الإمارات. ويمكننا هنا استثمار الانتقال الوجودي للثقب الأسود، خاصةً أننا نتحدث عن الإنتاج المسرحي للمخيلة الفنية، المبنية على تراكم مهول من الأحداث المتناهية في الصغر، والمتمركزة في تحديد مصير الإنسان ونقاط الوصول إليه. ففي الفترة الجامعية، صاغت الأسئلة نفسها في ما يجب أن أكونه، خاصةً أنني درست علم الاجتماع، ولم أكمل المدة الأكاديمية، لأتوقف.. ولأبحث في مدارات العمل. ويمكنني القول، إن الدخول إلى «عالم البزنس»، سعياً لخلق عالمي، كشف لي وقتها عن أنني لا أعرف كيف أبيع لوحاتي، لأنتقل بعدها لإدراكات جديدة، صنعت من (خرابة) مصنعاً متكاملاً عمره 21 سنة، يعمل الآن في صناعة الأثاث، إلى جانب عملي بجانب والدي في مجال العقارات، وآمنت أنني كنت أحتاج إلى هذا المرور الذي شهد 16 سنة من تنظيم المكنون الداخلي للإرث الفطري والممارسة المكتسبة لتجليات الحياة، حيث يصبح فيها الإنسان أكثر ثقة بمعطياته الداخلية، بوضوح رؤيته، وما يود الوصول إليه، وهذا العبور مطلوب جداً، سواء كان ثقباً أسود أو جسراً زمنياً، المهم أنه ساهم في صياغة النصوص الجمالية لماهية أن أكون فناناً يتعامل مع الفكرة، باعتبارها مرئيات ومحسوسات منظمة. وقت مستقطع كل شيء في المقهى، يدعو للهدوء.. قبل أن ينضم للجلسة الصحافية، أشخاص حضروا للمقهى، لطلب القهوة، لم يضيفوا إلى المشهد ككل إلا صوت مرجعي، ونقاش وُدِّي، اتخذ من الزاوية اليمنى فضاءً للمشاركة المكانية. واستمر حديث مطر في دلالات اكتشاف الموهبة، والاشتغال على البيئة الفنية، كأهم عامل مجتمعي، لتحريك دفة بناء الإنسان القائم على المعرفة والثقافة الجمالية، ككل قواعد العشق، التي لا يشترط فيها الرقم أربعون كما سطرتها الروائية إليف شافاق، في رقصة الدراويش، وفلسفة جلال الدين الرومي في فهم اعتناق الحب. قال مطر وبصوت مدوٍّ: إن الوصول إلى تلك القامة العشقية في عمق المعايشة لفنتازيا بناء العمل، هو جوهر العمل الفني، وكاشف لتفاصيل الرحلة اللانهائية. ليست هناك طريقة ثابتة للعشق، هناك فقط تجارب، رأيتها في مسيرتي، وجزمت أنها حاجة ماسة لتأسيس البيئة الفنية: * تجربة (ولادة نجم/&rlm&rlm الموهبة): تحتاج إلى شروق وغروب، كتجارب الموت والولادة، كإحساس الجهل والنبوغ، كمفردة النوم والاستيقاظ، كأن تكون في كامل قواك العقلية، وأن تصبح مجنوناً فجأة، بأن ترى الأموات، وتلاحظ كل أطياف البشر، هناك في الشخص البسيط، وفي الفكر المعقد، لذلك فإن المواهب الإبداعية، تترسم في مستويات مختلفة، لا تقبل الاختيار العشوائي، كالذي يحدث في المدرسة، وآفة ما يمكن تسميته بـ «التربية الفنية»، لا لا.. لا توجد هناك تربية للفن، بل اكتشاف.. وإتاحة فرص وخيارات، عبر مركز ذي أهداف واضحة، ننتج للمجتمع من خلالها 100 فنان كل 10 سنوات، نصدر فيها إنتاجات فنية كمؤشر لبناء الإنسان، فنحصل على 1000 منتج فني فريد، ومتذوقين للفنون، خلال 100 سنة قادمة. * تجربة «بناء العنفوان»: أردت التأكيد بأننا مستمرين، في بناء تلك النصوص المسرحية، وذلك التنبؤ الفني، الذي يتم استيراده، عبر تراكم الأحداث، وبناء العنفوان، لم يكن مقتصراً على الحدود والتحديات في عدم التجاوب المكاني مع شغفي الداخلي، وإنما على الركائز التي ساهمت في تدعيم مصدر فعل الاستمرار، التي تجسدت بدعوات أمي، التي مارست لغتها الفنية برسومات، نابعة من خطوطها الروحية، ومساحة الثقة، التي أهداها لي والدي، متيحاً فرص خوض غمار التجربة الفنية نفسها. لا يمكنكم تخيل مدى التأثير البانورامي الأفقي، لحضور تلك الشخصيتين، ولا يمكن تجريدهما من عاطفة الاحتواء الغريزية، في مؤسسة الأمومة والأبوة، ولكنني أظل مؤمناً بأنها إحدى مناحي القدرية، لبنية الرحلة الداخلية، كأنها فوتوغرافيا الشمس والقمر، وإحساس الأمان، وملاذ الثقة الأكيد، والحاضنة الأوسع والأهم.. إنني دائماً أرسمهما في الفضاء الخاص بي. ويمكن استشفافهما في بعض تلك اللحظات العميقة لأعمالي الفنية. (2) مشهد منصات الإقناع * هل يمكن أن يتحول الأشخاص إلى منصات عرض؟ وما مدى الجاهزية في قدرة تلك المنصات في أن تجسد مكاناً للمنحوتات الفنية، تتموضع فيها من جهة، وتساهم في تقديمها التاريخي للمجتمع. إذاً نحتاج إلى مغامرة عملية، في أن أتحوّل «شخصياً»، إلى منصة، لكي أعيش القدرة التفاعلية للفنان مطر بن لاحج، في أطروحته المبنية على أن مفهوم الإقناع في مجتمعنا المحلي، للأفراد أو المسؤولين، يحتاج لصياغة تدريجية، يوضح فيها الفعل الجمالي للعمل الفني، وآليات التأثير الجمالي، وكيفية بدء عمليات الإنشاء. ويتطلب الأمر من الفنان، تبسيط التناول المعرفي للفنون في مجتمع يرى صعوبة في تفسير إدراكات إيقاع العمل الفني، كالذي يقحمه ويفرضه «مطر» عبر منحوتاته «أقمار الغفران»، و«الموسوعة»، و«انصهار»، و«انبعاث»، و«لغة تنعي نفسها»، و«موج» و«عين الخط العربي»، و«أيقونة ترام دبي» و«جذور عربية» و«مطويات الأمثال».. وطبعاً منحوتات «المجرة» الثلاث.. هامش للقراء لم يبدِ الفنان مطر بن لاحج أية ملاحظة، في إمكانية استثمار شخصيتي «المحاور الصحفي»، لتجربة منصة الإقناع، وتم بناء المشهدية ككل بناء على موافقة ضمنية للمحاور، في أهمية الاطلاع على نتائج التجربة عملياً، ويجب توضيح التفسيرات التالية: «الشخصيات: تتحول إلى منصات ومنحوتات فنية»، بينما «مراحل الإقناع الفكرية: مصوغة بالأدوات والتقنيات المستخدمة لإنتاج مرحلة الإقناع النهائية». مختبر لقاء يجمع بين مسؤولين ومهتمين، بالفنان مطر بن لاحج، لإنتاج قطعة فنية لجهة ما، يقول بن لاحج: في أول ربع ساعة، تختفي الأجساد، وأراهم كمنصات إبداع، فمثلاً الشخصان اللذان يجلسان أمامي، أقيس مستوى استعدادهما، وهل القاع - مثلاً- يحتمل حجم الدعائم لوضع الركائز المعنية بفكرة الإقناع بشكل عام، وبناء هيكلة المجسم أو المنحوتة. أتابع الشخص الذي يملك الحزمة الأكبر من اتخاذ قرار الموافقة، لإنتاج العمل، وأبني عبر استمرار توضيح أهمية العمل وأبعاده الفنية، مجسماً جمالياً ضخماً «مُتخيلاً بالطبع»، إلى أن استشعر تفاعلاً كاملاً من قبل المهتمين لما أود فعلياً إنجازه عبر المنحوتة. وفي حال أقدموا على المشروع، أكون قد اعتمدت ما نسبته 80% من مجهود المناقشة ككل. أما بالنسبة للعرض النهائي، الذي استعين فيه بصور توضيحية، فقد لا يتجاوز الـ 3 دقائق، بعد أن استطعت، وبكل أمانة، إيصال الحالة الإنسانية إلى ماهية أن تساهم في إنتاج حالة فنية. أستطيع القول بأن هذا التأثير، جزء من الإيمان المتدفق للفنان، عبر محاكاته للحظة تجاوز المكان إلى أفق السماء الرحبة، فنحن في هذا الحديث الصحفي، مثلاً، اخترقنا جغرافية موقع «الكافيه»، إلى رحابة البحر وأفق الجبال الخضراء، بفعل طاقة كونية، متحركة، استثمارها يعد مطلباً وجودياً وفناً استثنائياً. * طوال وقت الحوار.. كنت منصة جمالية، وبناء المنحوتة من خلالي، نتج عنه اقتناع موضوعي من قبلي، بأهمية الانتباه لمخرجات الفنان مطر بن لاحج، في كونها إضاءة فريدة، للساحة المعرفية والإنسانية والحضارية المحلية. (3) مشهد «سؤال الثمانينات» مرت ساعتان من الحديث المتواصل، بيننا. سأل مطر: كم صفحة تريدين للكتابة، في الصحيفة؟ قلت: مهما تحدثنا عن الفنون، لا نستطيع أن نفي الحالة حقها، ليس لقصور ما، وإنما لأنها حالة عارمة من التحولات المذهلة في كينونة الإنسان، والحرث في توجهاتها ومتابعتها كاملةً يظل أمراً صعب الحدوث، كمتابعة سريعة وعابرة، ومن هنا أعتقد أن الموضوع يحتاج إلى صبر وتأنٍّ ومراقبة شديدة. قال: المراقبة.. قد تختلف بين متبنٍّ للعملية الإبداعية وبين راصد للحدث، ومن جهتي، أومن بأن العملية تعتمد على طبيعة مستويات التعاطي من قبل كل متابع ومهتم بالحراك الفني. * ماذا عن من يحاول مجاراة مستوى إنتاجك الإبداعي، وكيف تعرف «المؤثرين الجدد»؟ ** التأثر عملية طبيعية، يعتقد البعض أنها تقليد، ولكني أراها حالة من التماهي الفني. يستعدني أن هناك آثاراً لمجاراتي فنياً، فقوة الفنان تبرز من خلال مؤشر التأثير المجتمعي العام أولاً، ومن ثم ما يحققه من تفعيل للإنتاجات الفنية المصاحبة من قبل فنانين آخرين. أتذكر كيف تحفَّظ أشخاص كثر، حول ما أسموه محاولة تقليد أعمالي. عملياً أرفض «التقليد» وأفضل «التأثير»، لأن كل شخص قائم بذاته، بطبيعة الحال. الضعيف هو من يسرق، ورغم كثرة المغالطات واللغط الناجمة عن آراء بعض العاملين في الساحة الفنية، الذين يدّعون أنني أسرق أفكارهم أو أني أمثل موجة ستنتهي، إلا أن أعمالي تجسد ردّي القوي والواضح، وبالنسبة لي هذا أفضل وأقوى سلاح. * قبل انطلاقة مرسم مطر في عام 2003 من جديد، شهد المكان معتركه الأول في تسعينات القرن الماضي، تحت مسمى مختلف، ما هي قصة سؤال الثمانينات «هل أنا فنان أو لا».. هل هو الدافع لإنشاء المرسم؟ ** تذكرين حادثة بيع لوحاتي التي لم تنجح في البداية. أعتقد أن من جماليات ذلك الموقف هو الإيمان المتكرر بأهمية تخصيص فضاء، ولكن كيفية التعامل مع الفضاء تحتاج إلى تأهيل، تحدثت عنه مسبقاً، ولكن النقطة المهمة هنا هي التحول إلى تأسيس كينونة مرسم مطر كعلامة فنية مهمة. أتت هذه الرغبة بعد أن حققت مستوى احترافياً وتكاملاً فنياً لم ينجم من فراغ، وإنما عبر تدريب عشته لسنوات، طورت فيه أدواتي، بحيث أستطيع، في الوقت الراهن، الحديث عن ماهية تأسيس البيئات الفنية، وتفعيلها كحالة ثقافية، ومجال الفنون مملوء بالمحاور التي يجب عليَّ كفنان أن أعي أشكال تأسيسها وترويجها، كالمتاحف مثلاً، ومدى قدرتي على تقديم معلومات ومشاريع تحتفي بالدور المتحفي في الحياة الثقافية. الفكرة ليست تباهياً بقدر ما هي عمر من البحث المتواصل في آليات القيام بهذا الفعل والاستمرار فيه في مجتمع لا يزال حديثاً على صعيد الوعي الفني، والفهم العميق لقيمة الفنون في بناء الإنسان. خارج النص رفع مطر بن لاحج يده للأعلى، تماماً كالذي يستعد لاحتضان السماء، مشيراً إلى تفاصيل مرسم مطر من خلف زجاج «الكافيه»، مبدياً إيمانه بأن صوت المكان أصبح مسموعاً، وأنه تجاوز عملياً حالة الاكتفاء بالعرض وتنظيم الورش «التي ستظل حاضرة بكميات كبيرة من المعرفة الجمالية، المتسربة بين قلوب الأطفال، وروح الكبار»، ليصبح منتجاً لمجرته الخاصة، المغمورة بأفلاك اللغة البصرية المتناهية في الدقة. (4) مشهد السيرة مكتوبة في الإيقاع الخفيف، من النوتة الموسيقية لأغاني اللغة البصرية، اكتشفنا مدى تكتلات الكلمات في التعبير اللفظي للفنان مطر بن لاحج، كالشخص الذي يود أن يختزل جميع ما يقوله في خانة من الكتابة المرصوصة، لتكون، ربما، مرجعاً لكل من يختار موهبته «فطرته» وجوديته لتحقيق ذاته. قلت: إذاً توثق نفسك؟ قال: بل كتاب يوضح الخطوط العريضة، لكل من اختار وجوديته وموهبته، لدي قصاصات ورسومات، تكشف حالاتٍ عشتها، أريدها أن تكون بين يدي أشخاص يحتاجون لمعرفة معنى أن تكون فناناً ومنتجاً للجمال. كيف تستطيع تدارك الضربات التي قد تأتيك من الآخرين؟ كيف وأنت في غربة الفن تعتمد على طوق النجاة؟ ما هي المؤشرات التي تستدل عليها بأنك في يوم من الأيام ستكون في هذا المكان أو ذاك؟ كيف تنتج لغة خاصة تحاكي فيها المجتمع، وتستطيع من خلال تبسيطها وتعميقها أن توثر وتضيف وتغير من حياة الآخرين، إذ إن الكتاب لا يركز على الفنان التشكيلي، بل قد يفيد كاتباً أو سينمائياً أو موسيقياً أو غيرهم من العاملين في مجال إنتاج أشكال الحياة المختلفة. الفهرس تناول الفنان مطر بن لاحج، قهوته الخاصة، نسيت لحظتها أن أسأله عن نوعها، ولماذا يختار هذه النكهة بالأخص، ولكني عرفتُ بأنها سبيل آخر للتعبير عن العشق السرمدي لفضائه الداخلي. (5) مشهد الكواليس «سكتش آرت» كافيه.. الموقع المشترك في عقد اللقاء «مكان الحدث»، لكن هذه المرة، لم يكن الفنان مطر بن لاحج يتسيد موقف الفضاء، بل تجسدت شخصيات المشهد من رائحة القهوة، قد يعتقد البعض بأنها الدعاية الهزلية، غير المباشرة للكافيه، والثقافة لا تقبل هذا المرور، ولكني ما زلت مؤمنة بقوة أن فصل الأشياء، فيه شيء من الخيانة المفرطة لتكوينات البيئة الثقافية، خاصة إذا كانت القهوة، إحدى تجلياتها. لا أذكر عدد القراء الذين بحثوا عن متاحف ومقاهٍ، قصدها كتّاب الرواية في ذروة السرد الأدبي، إلا أنها دليل منطقي أجازه مجلس قراء الثقافة حول العالم، لذلك فإن الحديث عن حادثة «سكتش آرت» ستضيف لمشهدية حوار الفنان مطر بن لاحج طعماً بمذاق يشبه قهوة الاسبرسو.. أتذكر أني طلبتها، وقُدمت لي من قبل الشيف جتنسيك تيمبلدو، وجلست أتناولها، أثناء قراءتي لكتيب ورشة «أكثر من فن» الصيفية، التي احتفل مرسم مطر أخيراً بإنتاجاتها، ويكمن سحرها في ماهية مكنون الأعمال المعروضة مقارنة بأعمار الأطفال المشاركين، التي لم تتجاوز الـ 15 سنة، إلى جانب الأعمال النحتية، وفنيات التعامل مع الورق والقصاصات، عبر تحويلها إلى ساحة من التناغم لفن الواقع.. لا يمكن أن تصدق شيئاً، دونما أن تخوض أو ترى بعضاً من آثاره على روحك، كيف يمكن أن نكتشف أن هؤلاء الأطفال المشاركين في مرسم مطر، سيحققون رؤية التحول إلى وجهة فنية مستقلة، تدعم الفن وانتشاره محلياً ودولياً، بل وتسعى إلى إثراء الحركة الفنية في الإمارات، من خلال دعم الفنانين، والمواهب الجدد، عبر وضع برامج وفعاليات على مختلف المستويات، بشكل دائم، وبأساليب عصرية، فالأخير هو أوج ما نحتاج إليه.. لتأتي الإجابة ضمنياً، دونما سابق إنذار، وبطريقة غير متوقعة من صانع القهوة جنسيك تيمبلادو الذي قاطع أفكاري، عبر سؤاله: سيدتي.. أعتقد بأنكِ من عشاق القهوة، وإلا لماذا اخترتِ الاسبرسو، على وجه الخصوص؟ وحدهم من يعلمون معنى أن تتذوق القهوة، وبجودة جمالية فريدة، يعتنقون البحث المتكرر عن أفضل من يستطيع صناعتها، فهي لا تشكل خانة للاستمتاع فقط، وإنما حرية مطلقة لفهم مقاييس كمية البن والنكهات المضافة، ومستويات الضغط التي تختزنها صناعة قهوة لشخص واحد، بضمان أن لا يتكرر طعمها وإحساسها بين كل متذوق وآخر. لا أدري من أين تختارين قهوتك اليومية، ولكن استطيع أن أقدم لكِ هنا شيئاً مختلفاً، أكثر نوعية، نحن نختار القهوة بجودة عالية جداً، وأسبوعياً قد تجدين نكهة جديدة ومحدودة العمر، فنحن لا نصنع كميات تجارية، بل مختارات نعتمد فيها احترام ذائقة القهوة عالمياً. عملت مسبقاً في «كافيه» تجاري، والاختلاف كان جلياً بالنسبة لي، منذ أن بدأت العمل في «سكتش آرت» كافيه، وأعتقد أن السر لا يكمن في مضامين اختيار القهوة فقط، وإنما بما أتاحه لي الفنان مطر بن لاحج من حرية مطلقة، في اختيار وإعادة إنتاج القهوة. نحتاج دائماً إلى التجريب، واكتشاف آليات التذوق لنكهات القهوة، قبل تقديمها للزبون، لا أدري إن كان هذا ما تبحثين عنه هنا، ولكن أستطيع أن أؤكد لكِ.. بأن تأثير مطر ساعدني وحمَّسني لاستشعار أهمية عملي في صناعة القهوة، بل إني أعيشه معه في نقاشاتٍ ودّية حول القهوة وما يمكن استحداثه.. ساعدني هذا الفضاء.. نحو السعي لفتح كافيه خاص بي، مستقبلاً والحديث لجنسيك تيمبلادو-، لم آتِ من بلدي الفلبين، بعد أن أنهيت الدراسة الجامعية، بنية الحصول على العمل فقط، بل حباً في الاكتشاف، ورغبة ملحة في الوصول إلى الاستقلالية الفكرية والمادية. يخطر في بال الكثيرين، أن المال هو الشيء الأساسي كمردود للعمل، لكني مع القهوة أبحث عن مسوغات لأسباب عملي هنا.. وأستطيع أن أثبت لكِ ذلك: لدي قهوة خاصة أصنعها بنفسي.. جربيها.. وأطلقي حكمكِ عليها..! الآن عرفتُ.. إجابة سؤالي أعلاه، عن رؤية مرسم مطر في احتضانه للفن، وإثرائه الحياة المجتمعية. جارٍ التسجيل ظلت الكاميرا ترصد حركة المحاور الصحفي طوال رحلة البحث، رغم عمليات المونتاج التي تمت لبعض اللقطات اللافتة، التي تحتاج إلى عمر من ترسيخ الثقافة بوعيها الإنساني، من خلال السعي للانتقال من بيئة شكلية للثقافة الفنية، إلى ممارسة تقودها الذائقة والفهم الشغوف لفعل إنتاج الحياة عبر الفنون. قيمة مضافة دائماً نتساءل كيف يفرح عامل بسيط، بالقليل من المال؟، بالنسبة لي، يبدو الأمر طبيعياً، لأن (الألف درهم) قد تكون هي كل أفقه، وهناك من يرى أن القبول بوظيفة رسمية وراتب شهري بقيمة 50 ألف، أمرٌ لا يرتقي لطموحه، ليس إجحافاً أو استخفافاً، وإنما اتساعاً في الأفق. وبالرجوع إلى أفقي كفنان، شخصياً، أرسم فضاءً إبداعياً بملايين ومليارات الدراهم. وهنا، لا أعني المادة وإنما الاشتغال الحقيقي، في إنتاج القطعة الفنية، فأنا أعطيك من خلالها لحظة من الجمال الإنساني. ومع احترامي الشديد لكل الوظائف، وبمختلف مراتبها، يظل الإنتاج الإنساني، هو القيمة المضافة للكون والحياة. ثمن تتراوح تكلفة منتجي الفني بين 600 ألف ومليون درهم، وعند بيع القطعة الفنية، فإن العوائد تكون بسيطة أمام جوهر الفكرة، والضغط الذي أعيشه طوال فترة عمل المنحوتة، كالمخاض والولادة تماماً، ثم يأتي المجتمع لينظر إليك «كسعر مرتفع»، أين نحن من العالم الفني في الخارج الذي له سابقة في معايشة الثقافة، الذي يتيح للفنان قيمة خاصة، تليق بمستوى عطائه الفني. الفنان والمجتمع أتذكر، بعد قراري بتجميد الدراسة، ذلك الحديث المجتمعي عن ضرورة الشهادة، ولا يزال سؤال الدراسة مبهماً لديّ، رغم أني جاريت الرغبة المجتمعية، واستكملت دراستي الجامعية، وحالياً أعمل على تقديم رسالة الماجستير في مجالي. في إحدى الدعوات الرسمية، لزيارة هيئة بلدة سانت إيتيان ميتروبول المجتمعية الفرنسية، لأتحدث عن تجربتي، سألوني وقتها: هل هناك غيرك من الفنانين الإماراتيين، ممن يحملون رؤية بناء الإنسان، صف لنا ما يحدث في تكوينكم الفكري نحو مآلات إنتاج الفنون؟ وفعلياً أفضل ترك الإجابة للقراء والمهتمين. المجتمع أراد شهادة جامعية، وأنا حققت بيع أغلى قطعة فنية، حتى هذه اللحظة من عمر جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، والمجتمع الفني العالمي سألني: هل هناك «في الإمارات» الكثيرين أمثالك؟

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف