• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

جلّادو الذات

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 17 نوفمبر 2015

في إحدى الليالي الباردة، بينما كنت أمشي بشوارع مدينة «بليموث» البريطانية برفقة صديقي «بول» بريطاني الجنسية، فوجئنا بفتاة تقفز من إحدى السيارات التي تقف بجانب الرصيف على طريقة أفلام «الأكشن».. أخذت تجري وتصرخ وتستنجد بالمارّة، ثم انحدر شاب من السيارة نفسها وانطلق خلفها كذئب يطارد فريسته المغلوب على أمرها، لم يتجرأ أحد من المارة على مساعدتها، أو على أقل تقدير إيقاف الثور الهائج الذي يلحق بها، كان البشر يمشون وكأن على رؤوسهم الطير، إلا محدثكم «أبو العرب» الوحيد في ذلك الشارع الممتد على مد البصر ثارت فيه الحماسة والنخوة، ولكن ما إن «تنحنحت» قليلاً وأبديت استعدادي للانقضاض على ذلك الوحش، حتى أمسك «بول» معصمي بشدة لدرجة أنني كدت أصرخ من شدة الألم، وانكمشت على إثر تلك القبضة الحديدية كقط بلله المطر، نظر إليّ «بول» بحدة ثم صرخ قائلاً: توقف، هذا ليس من شأنك.. أيقنت عندها أن الأمر لا يعنيني ولا جدوى من محاولاتي التي ستبوء بالفشل الأكيد، وتهوي بي في مشاكل أنا في غنى عنها.. أخذت الفتاة المسكينة تجري وهي تنتحب والرجل المسعور يلحق بها، إلى أن انعطفت بين البنايات، عندها غابت عن ناظريّ وانقطع صوتها، ولا أعرف ما آل إليه مصيرها.

هل تتوقعون أن تحدث حادثة كهذه هنا، ولا يساعد تلك الفتاة أحد؟! أعني هنا في بلاد العرب والمسلمين.. لن يمر الموضوع دون أن يتدخل «النشامى ومخاوين شمّا ونورة ونجلاء وعفرا» حتى وإن تورطوا قانونياً أو كلفهم ذلك حياتهم.. لا أُريد الدخول في مقارنات ومفارقات بين الغرب والشرق، فالخير والشر موجودان في كل بقاع الأرض، والعادات والثقافات تختلف من مكان لآخر، ولكن في الآونة الأخيرة كثُر جلادو الذات العرب المتحمسون والمنبهرون بقيم وثقافة وحداثة الغرب، الذين لا شغل لهم سوى المقارنات على حساب ثقافتنا العربية والإسلامية، وكثُر المصفقون والمطبلون لهم والراقصون على جراح أمتنا.

تجد الجلّادين يتربصون بأي غلطة أو هفوة أو خطأ وإن كان على المستوى الفردي في محيطنا العربي والإسلامي ليتخذوها حججاً وتبريرات لعجزنا وفشلنا وضعفنا، وتهميش كل الإيجابيات والنجاحات، ليقوموا في الوقت نفسه بإهدائها للغرب على أساس إثبات صحة أقاويلهم، من منطلق «الضد يُظهر حُسنه الضّدُ»، فتجدهم يهوّلون الأخطاء ويضخمونها.

أنا لا أقول إن الغرب لم يتفوقوا علينا، ولا ضرر أو عيب في أن نتعلم منهم، فلقد درس أهل الغرب تاريخنا الإسلامي جيداً وعرفوا مكامن القوة وفهموا ديننا وطبقوا مبادئه وتعاليمه، وفي المقابل تخلينا نحن بمحض إرادتنا عن تلك المبادئ وقيمها، ووصلنا إلى ما نحن عليه اليوم من تدهور على جميع الأصعدة، وهذه النتيجة لا تخفى على أحد، لكن هذا لا يعني أن نتخذ الحسرة نهجاً ونصك الوجوه باكين على الأطلال ونشهر السياط لجلد أنفسنا.. لقد آن الأوان أن نستعيد ثقتنا بأنفسنا، فنحن أحوج لها في ظل هذه الظروف الحرجة التي يمر بها العالم العربي والإسلامي ولا سيما بعد بركان الربيع.. كفانا شعوراً بالهزيمة والدونية وعدم المقدرة وقلة الحيلة.. كفانا تقليلاً من قدرنا كعرب ومسلمين، علينا أن نعزز ثقتنا بأنفسنا فتاريخنا حافل بالانتصارات، ولا يزال العالم ينهل العلم من علمائنا إلى هذه الساعة.

أحمد سالم الغافري - العين

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا