• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

رؤية.. ورؤيا

الجابري ومسألة الاختلاف

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 17 مارس 2016

عبد السلام بنعبد العالي

لا يُخفي محمد عابد الجابري أن الهاجس «التّوحيدي» هو الذي وجّه أعماله في قراءته للتراث و«تملكه». لن نتساءل هنا ما إذا كان هذا الهاجس يصدر، في نهاية التحليل، عن بواعث سياسية، ما يهمّنا هو أن نبيّن أين يتجلى هذا الهاجس عند صاحب «نحن والتراث» ورباعية «نقد العقل العربي»؟ وكيف أنّ الأسبقية عنده هي دوماً للتطابق وليس للاختلاف، وأن الحقيقة هي الكلّ لا الأجزاء، كما يهمنا أن نبرز الخلفيات الفلسفية للتشبث بالهوس «التطابقي» والمسلمات التي يصدر عنها.

أول ما ينبغي ملاحظته أن إغفال هذا الهاجس هو ما تسبّب لكثير من قراء الجابري ومنتقديه في سوء فهم كثير من القضايا. وربما هو ما كان السبب في قصور القراءات التي توقفت عند بعض الجزئيات لتخالف صاحب «نقد العقل العربي» في نقاط جزئية بعينها، إنّ هذه القراءات أغفلت بكلّ بساطة أن الفروق والاختلافات عنده ليست إلا مفعولا لوحدة أولية هي ما يطلق عليه «وحدة الإشكالية»، تلك الوحدة التي تعكس بدورها تلك «الكلية» التاريخية التي هي المجتمع العربي الإسلامي في القرون الوسطى.

ذلك أن صاحب «نحن والتراث» لا ينشغل كثيراً باللُّوَيْنات والفروق الدقيقة التي يتخذها هذا المشكل أو ذاك، هذا المفهوم أو ذاك، عند هذا الفيلسوف أو عند الآخر، في هذا المؤلف أو في غيره، إنه لا ينشغل بإثبات الفروق ورصدها. فليس من الغريب أن نجد عنده ميلاً كبيراً إلى السكوت عن النشاز وإغفال الفوارق لضمّ الآراء وخلق التطابق، ولا عجب أن تذوب في نظره الفروق ليصبح مفهوم الوحدة هو المفهوم-المفتاح، يقول:«نحن ننطلق هنا من أن الفكر النظري في مجتمع معيّن وعصر معيّن وحدة متميزة ذات كيان خاص تذوب فيه، إذا أخذ بوصفه كذلك، مختلف الفروق والاتجاهات. إن الحقيقة هنا هي الكل، لا الأجزاء. وليست الأجزاء إلا تعبيرات وحيدة الجانب عن هذا الكلّ».

لا يعني هذا، بطبيعة الحال، أن الجابري يجهل أن المجتمع العربي الإسلامي في القرون الوسطى كان مجتمع كثرة وتعدّد، مجتمعا يغلي بالتناقضات والمشاحنات، كما لا يعني أنه يجهل «الفرق بين الفِرَق»، وتعدد «الملل والنحل»، وتباين «مقالات الإسلاميين»، واختلاف المتقدمين عن المتأخرين، وتميُّز الفارابي عن الكندي، وابن باجة عن ابن رشد، ولكنه يريد أن يبيّن أن «التحوّلات» التي عرفها تاريخ الفلسفة العربية الإسلامية لم تكن تحوّلات من صميم ذلك «التاريخ»، فهذا «التاريخ»، في نظره، لم يعرف مخاضه الخاص، ووراء ما يظهر على أنه تاريخ للفلسفة في الإسلام، تاريخ فعلي هو تاريخ الأيديولوجيا، تاريخ توظيف تلك المادة المعرفية، وحياة ذلك المحتوى الميت. فالفلسفة الإسلامية لم تكن في نظره قراءة متواصلة ومتجددة لتاريخها الخاص، تاريخها المعرفي، وإنما كانت قراءات وَظّفت المادة المعرفية نفسها لأهداف إيديولوجية مختلفة متباينة، ومعلوم أن الآلية الإيديولوجية تنشغل أساسا بملء الفراغات، وإغفال ما يفرّق لإبراز ما يُوحّد، إنها آلية لا ترى الاختلافات، ولا تأبه بالتناقضات، لذا فإن كانت هناك تحولات وحركة في ذلك التاريخ، فإنها لم تكن إلا لهذه الوظائف الإيديولوجية. لقد ظل المحتوى المعرفي خارج تاريخ المعنى، خارج التاريخ، وفي الوظائف الأيديولوجية وحدها: «يجب أن نبحث للفلسفة الإسلامية عن معنى، عن تاريخ».

لا بد، والحالة هذه، أن تطغى الرؤية السانكرونية على الهمّ الدياكروني، وأن تعطى الأسبقية للبنية على التاريخ Genèse/‏structure، وأن ينشغل صاحب «نقد العقل العربي» برصد المركبّات البنيوية، والأنظمة الكبرى التي تنحلّ إليها قطاعات تراثنا الفكري «بصورة تسمح بتجاوز الاختلافات الراجعة إلى المظاهر الخارجية».

هذه الرؤية التوحيدية يوظفها الجابري حتى في فهمه للتاريخ الكوني كي يغدو وحدة التطور البشري في مجموعه، ويصبح التاريخ الكوني تاريخاً كلياً تتراكم لحظاته وتستمر وتتواصل، بحيث يشكل التاريخ العام عصارة المساهمات النوعية للثقافات جميعها. بهذا المعنى يرى الجابري في تراثنا العربي-الإسلامي مجرد لحظة من لحظات قيام الحداثة «العالمية»، كما يرى أن الاختلافات لا تعبّر عن ثوابت ثقافية، وإنما ترجع فقط إلى «اختلاف أسباب النزول»، أي إلى ما هو طارئ زائل، وأن «الأسس النظرية» التي تقوم عليها المفاهيم لا تختلف من ثقافة إلى أخرى، ليستخلص من ذلك أن هناك عالمية لتراثنا العربي - الإسلامي لا ينبغي أن تغيب عن أذهاننا، إلى حدّ أننا حينما نقيم تعارضاً ومقابلة بين الأصالة والمعاصرة نكون كأنما وضعنا «الفكر الإنساني في مقابل نفسه». على هذا النحو يغدو كل تحديث تأصيلا، ويؤول في نهاية الأمر إلى استئناف ووصل وإعادة ربط.

نعلم أن صاحب «بنية العقل العربي» كثيراً ما يربط نظرته «البنيوية» هذه، وولعه برصد «قارات» الفكر العربي بأبيستميات ميشيل فوكو، ولكن ألا يبعده هذا الحرص على الوصل والربط عن صاحب «حفريات المعرفة» الذي هو أحد الأقطاب الأساسية لـ«فكر الاختلاف»، والداعين إلى إعطاء القطيعات مكانتها داخل الحركة التاريخية؟ ذلك أن النظرة الاستمرارية للتاريخ، تلك النظرة التي تذوب فيها القطيعات والفواصل، ولا يتبقى إلا ما هو موحّد رابط، لا بدّ وأن تصدر عن رؤية تطابقية Identitaire، إنها لا يمكن بأية حال أن تتخلى عن فلسفات الكوجيتو. وقد سبق لميشيل فوكو أن بيّن أن التاريخ المتصل هو الحليف الذي لا محيد عنه للرؤية الموحِّدة وللدور التأسيسي للكوجيتو وللنظرة التطابقية للذات الفاعلة: «إنه ما يؤكد أن الزمان لا يفرق بين الأشياء إلا لكي يعيد إليها وحدتها، وما يعِدُ بأن كل الأمور التي أقصاها الاختلاف، في مقدور الذات الفاعلة أن تتملكها ذات يوم، فتسود عليها وتجد فيها مأواها. فأن نجعل من التحليل التاريخي خطاباً للمتصل، ومن الوعي البشري ذاتاً فاعلة هي مصدر كل صيرورة: هذان وجهان للمنظومة الفكرية نفسها. في هذه المنظومة ينظر إلى الزمان كتوليد لكليات موحدة» تذوب فيها الاختلافات، وتنتفي الفواصل، وتسود التسوية، ويعمّ التطابق.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف