• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

قراءة في عوالم الفنان فاسيلي كاندينسكي

ماذا تصنع اليد التي ترسم؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 17 مارس 2016

كتابة - آنّ هنري

ترجمة - أحمد حميدة

يقول بروست: «حين دخل بطل (البحث عن الزّمن المفقود) أوّل مرّة ورشة الرسّام الكبير إلستير، خيّل إليه أنّه يلج مِخبرا يتشكّل فيه العالم من جديد، حيث فوضى كلّ الأشياء التي نراها من حولنا استُخلِصت في لوحات، تكمن روعتها في ما يشبه تحوّلاً طارئاً على الأشياء المجسّمة، تحوّل يماثل ما ندعوه في الشّعر بالاستعارة. ولئن كان مبدع الكون قد خلق الأشياء، وأطلق عليها أسماءها، فإنّ إلستير كان يعيد تشكيلها، بعد أن يكون قد انتزع منها أسماءها، ومنحها أسماء جديدة».

كانت اللّوحة التي شدّت انتباه ذلك الزّائر، تمثّل مرفأً صغيراً بإقليم بروتاني، حيث كانت صواري السّفن تتعالى لتتجاوز ذراها الأسطح ومداخن البيوت ونواقيس الكنائس، حتّى أنه ليغدو من العسير التمييز بينها، فيما كانت السّفن المحتشدة بالمصبّ النّهريّ الصّغير، أشبه ما تكون بالعربات المجاورة المرتجّة، أو بسيّارات النّقل التي كانت تعبر، وهي مزدحمة بالرّاكبين. أمّا السّماء الفاحمة التي كان لها بريق الورنيش، فقد كانت تنعكس في البحر، الذي كان زبده أشدّ بياضا من الطّريق الحجريّة، فيما كانت أخاديد الحقول المحيطة شبيهة بالمدّ الموازي لأمواجه.. إلخ.

لا يهمّ إن كان بروست، في هذه اللّوحة المتخيّلة، قد استلهم هذا الوصف من (الملتقيات) بسان مالو، التي سبق وأن ذكرها شاتوبريان في مستهلّ مذكّراته، فإنّ ما كان يرغب فيه هو أن يضفي على كلّ عمل فنيّ المجاز الشّعري، التي هي الاستعارة؛ لأنّها تقدّم الدّليل على وحدة الذّات. ولكنّ هذا الأسلوب الإنشائي هنا، أي هذا التّقالب بين الأرض - البحر، لا يكشف في شيء الذّاتيّة البالغة لدى الفنّان، طالما أنّها تستند، كما قيل، إلى (خدعة بصريّة)، إلى استبدال يغيّر اسم الأشكال المألوفة بفضل تماثلات خارجيّة: وذلك (سراب) غريب، لا تعود أسبابه إلى مجرّد مصادفة في المنظور: فمن الخارج يتمّ تصوّر اللّوحة بطريقة مبدعة، وتلك نسخة معدّلة من الرّسم الكلاسيكي للمشاهد الطّبيعيّة.

غير أنهّ في بداية القرن العشرين، وعلى كلّ مستويات الفنون التّشكيليّة، ارتسمت معالم تغيّر جوهريّ: إنّه يتعلّق بغائيّة الإبداع وبأشكاله التّعبيريّة، إذ تحرّر الرّسم الطّلائعي يومذاك من التشخيص التّقليدي، وغدونا حينها مدينين إلى فاسيلي كاندنسكي ولنظريّته الصّارمة حول منظور جديد في الرّسم، وخاصّة إلى ما أفرزته تلك النّظريّة من تطبيقات عمليّة ملموسة، جاءت بارقة بألوانها، وتكويناتها، طيلة نشوئها. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف