• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

غيابها مرض يزيف الوعي بمفهوم الآخر

ثقافة الاختلاف.. الآخر فينا

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 17 مارس 2016

د. سعيد توفيق

لا شك في أن أحد أعراض مرض الوعي في حياتنا يتمثل في الافتقار إلى ثقافة الاختلاف. يحدث هذا أحيانًا على المستوى السياسي، مثلما يحدث على مستوى الأفراد والشعوب: فعلى المستوى السياسي، نجد أن هذا يحدث حينما يتم تبرير استبعاد الآخر ما لم يكن متوافقًا مع سياسات تسعى للسيطرة والهيمنة، وهو ما تجلى بوضوح في إعلان بوش الابن النهج الذي اتخذه في حربه على الإرهاب، حينما قال صراحةً: «من ليس معنا، فهو ضدنا»!. إن هذا المنطق المغلوط ذاته يتجلى على مستوى الأفراد حينما يتبنون مواقف دوجماطيقية دينية أو فكرية، أي حينما يتخذ المرء موقفًا قطعيًا إزاء الحياة والعالم، لا يسمح بالتأويل، ومن ثم لا يسمح بالاختلاف. ولكن هذا المنطق المغلوط يحدث أحيانًا في حياة الشعوب حينما تشيع فيها حالة من اضطراب الرؤية والفوضى الأخلاقية، وهو ما حدث في بلدان ثورات الربيع العربي التي تفشت فيها تيارات دينية متأسلمة منغلقة على ذاتها، وشاعت اتهامات التخوين للآخر بما هو آخر. ويمكن القول إن عرض هذا المرض الثقافي يكمن في تزييف الوعي بمفهوم «الآخر» في علاقته «بالأنا»، حتى إن «الأنا» أصبحت تنظر إلى «الآخر» باعتباره ضدها أو خصمًا لها. ولهذا من الضروري أن نحاول الكشف عن جذور أعراض هذا المرض، من خلال تعميق وعينا بأساسه الفلسفي.

إن الشعور أو الوعي بالأنا لا يتشكل فحسب من نظر الإنسان إلى نفسه، وإنما أيضًا من نظر الآخرين إليه، بل إننا لن نجانب الصواب إذا قلنا إن وعي المرء بصورته لا يمكن أن يتشكل إلا من خلال وعيه بصورته لدى الآخر، لأن الآخر هنا يكون بمثابة الصورة المرآوية أو المرايا التي تنعكس فيها صورة الذات، وتعكسها في الوقت ذاته. فالأنا والآخر يكونان معًا دائمًا، وكل منهما يصنع الآخر من خلال تبادل النظرات، وهنا ينبغي أن نلاحظ أن الآخر يصبح «أنا» عندما ينظر إلى نفسه في عيون الآخر. فالأنا والآخر يتبادلان الأدوار دائمًا، ذلك أن الآخر يكمن في أعماق الذات أو الأنا، بمعنى أن صورتنا عن أنفسنا تتشكل من خلال الآخرين أو الأغيار الذين نقابلهم في حياتنا وندخل معهم في علاقات عدة مختلفة من خلال التصارع

والتنافس والتعاون والتفاهم، ومن خلال الكراهية والحب، وغير ذلك.

ولهذا فإن تقديرنا لأنفسنا، على سبيل المثال، لا ينبع فحسب- ولا ينبغي أن ينبع- من نظرتنا لأنفسنا، وإنما أيضًا من خلال تقدير الآخرين لنا. تخيل- على سبيل المثال- أنك وحدك في هذا العالم، أو أنك تعزل نفسك عن هذا العالم بحيث تنكر وجود الآخرين أو لا تعتد بهم! لا شك أن وجودك كذات في هذه الحالة سوف يصبح وجودًا مريضًا يحتاج إلى علاج نفسي، لأن حالتك عندئذ سوف تشبه حالة نارسيس الذي ظل ينظر في إعجاب إلى صورته الجميلة المنعكسة على صفحة الماء. فأنت في هذه الحالة لا تفهم معنى المرآة، لأنك تظن أن الصورة المرآوية هي مجرد انعكاس مباشر لمظهرك كما يتجلى في المرآة، ولا تريد أن تتعرف على صورتك كما تتجلى في عيون الآخرين. إن هذه الحالة تتجلى بوضوح في افتتان بعض الحسناوات بصورتهن كما تتجلى في المرآة، لأنهن في الغالب ينظرن إلى أنفسهن على أساس من صورتهن الجسدية كما تنعكس في المرآة، ولا يعبأن بصورتهن كما تنعكس من خلال نظرة الآخرين لهن، لا على مستوى الجسد وحده، وإنما أيضًا على مستوى الروح والعقل. وربما يفسر لنا هذا حالة تحطيم المرآة التي يمارسها بعض الأفراد حينما يجدون أن صورة الآخرين عنهم ليست هي الصورة المباشرة التي تنعكس في المرآة أو التي اعتادوا أن يرونها في المرآة. قد يحدث أحيانًا تناقض بين صورة المرء عن نفسه وصورة الآخرين عنه، ولكنه لا يصل إلى حد تحطيم المرآة، لأنه يرى أن صورة الآخرين عنه لا تدرك كنهه في لحظة تاريخية ليست مواتية، ولكن هذا لا يحدث إلا في لحظات استثنائية من تاريخ العبقرية، حينما يجد العبقري نفسه في سياق تاريخ لا يعي ما يذهب إليه.

وعي متبادل ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف