• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

يُستبعد أن تذعن روسيا لأي أمر واقع في أوكرانيا من شأنه تحويلها إلى رأس جسر للغرب في مواجهته معها

أوكرانيا.. حرب الوكالة!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 13 نوفمبر 2015

تعتبر أوكرانيا، نظراً لموقعها الاستراتيجي بمثابة حصان أسود على رقعة الشطرنج الأوراسي، ولذلك فقد اكتست تلك الدولة ما بعد السوفييتية، أهمية استثنائية في حسابات موسكو والغرب، بقدر ما كان التجاذب الخارجي حولها سبباً في تعميق أزمتها الداخلية، التي تعتبر اليوم أحد أكبر التحديات الجيو-استراتيجية في أوروبا، وحلبة تنازع وتصارع بين موسكو وواشنطن ومن ورائها الغرب وحلف الأطلسي بصفة عامة. وعلى كثرة الكتب الصادرة في أوروبا خلال السنتين الماضيتين عن الأزمة الأوكرانية إلا أن معظمها منخرط في الاستقطاب والدعاية الصريحة أو الضمنية، ولا يكاد يقاوم إغراءات التموقع والانحياز إلى هذا الطرف أو ذاك. وضمن هذا الاستقطاب يأتي كتاب المؤلف والأكاديمي الفرنسي «جان غيرونيمو»: «أوكرانيا: قنبلة جيوبوليتيكية في قلب الحرب الفاترة»، ليقدم تحليلاً في لبوس دراسة أكاديمية للأزمة، ولكن القارئ لا يخطئ أيضاً ملاحظة تبنيه كثيراً من فرضيات الطرف الآخر، أي الطرف الروسي والأوكراني غير الواقع في هوى الرواية الأميركية لخلفيات ما جرى في كييف خلال السنتين الماضيتين.

ومنذ البداية، يرى المؤلف أن حساسية موقع أوكرانيا كإحدى الجمهوريات المستقلة عن الاتحاد السوفييتي السابق، وخصوصية علاقاتها مع روسيا، هما ما تكشّف عن تلك «الثورة» القومية- الليبرالية المدعومة من قبل واشنطن التي تم فيها قلب نظام الرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش في 22 فبراير 2014 بدعوى تبعيته لروسيا، وتنكره لاتفاق شراكة كان معروضاً على الطاولة من طرف الاتحاد الأوروبي. وقد كان ضمن التيار الذي تزعم تلك الثورة- الانقلاب بعض أكثر التيارات القومية الأوكرانية تطرفاً ويمينية. وكان الهدف، في رأي الكاتب، هو جعل أوكرانيا تدور في فلك الغرب، لتشكل بذلك رأس حربة استراتيجية في مواجهة روسيا، ولتطويق هذه الأخيرة في فضائها الاستراتيجي التاريخي، وحرمانها من ضم أوكرانيا إلى الاتحاد الأوراسي، العزيز على قلب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خاصة أنه كان يعتبر كييف بمثابة حجر الزاوية فيه.

وعلى عكس ما تردد في الدعاية المضادة للرئيس الأوكراني السابق يانوكوفيتش يزعم الكاتب أنه لم يكن موالياً لموسكو بقدر ما كان يسعى لإيجاد نوع من التوازن في علاقات بلاده مع الغرب والشرق معاً، هذا فضلاً عن كون بعض شروط الشراكة الأوروبية التي عرضت على بلاده لا تخلو أيضاً من إملاءات إيديولوجية ليبرالية صعبة، في حين أن الشراكة مع روسيا ودعمها المادي لم يكن مشروطاً بإملاءات إيديولوجية، ولعل في هذا جزءاً من الإجابة على فتور موقف يانوكوفيتش تجاه الشراكة مع الغرب، في مقابل إذعانه لإغراءات الشرق، ومن ثم الانحياز إليه، ما أدى الثورة- الانقلاب عليه، لتتكشف الحالة الأوكرانية في النهاية عن هذه الأزمة وحرب الوكالة المستمرة حتى الآن.

وفي المجمل، يستبعد الكاتب أن تذعن روسيا لأي أمر واقع في أوكرانيا من شأنه تحويلها إلى رأس جسر للغرب في مواجهته معها في هذه الحرب الفاترة شبه الساخنة، وهي حقيقة لم تضعها العواصم الغربية في الحسبان، حيث إنها تعاملت مع مفردات المعادلة الداخلية الأوكرانية نفسها وتوازناتها، ولكن لم تضع حساسية الجوار الروسي في الاعتبار، وهذا خطأ في الاستقراء ونقص في قراءة تعقيدات الحالة الأوكرانية، وما تكتسيه تلك الدولة من أهمية جغرافية- سياسية بالنسبة للشرق والغرب معاً، ومن ثم فإن أي مسعى لإيجاد حل نهائي قابل للاستدامة للأزمة الأوكرانية لابد أن يراعي مصالح الشعب الأوكراني أولاً، وعدم المبالغة في تحدي روسيا أيضاً.

*حسن ولد المختار

الكتاب: أوكرانيا: قنبلة جيوبوليتنيكية في قلب الحرب الفاترة

المؤلف: جان غيرونيمو

الناشر: سيجست

تاريخ النشر: 2015

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا