• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

في جوف الكعبة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 12 نوفمبر 2015

منذ أن من الله علينا بالدعوة الكريمة من الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام لأتشرف بحضور غسل الكعبة لهذا العام، وأنا في شوقٍ وشغف لخوض هذه التجربة الفريدة. سرت قبيل بزوغ الفجر بساعات قليلة من جدة إلى أم القرى والروح تسابق الجسد، والنبض يتسارع كلما اقتربت من مشارف الديار المقدسة.

وأنت في الطريق، تتداخل أمام عينيك صور ومحطات رحلتك الأرضية ودروبك الممتدة مسافراً مرتحلاً، وفي عالم الروح القدسي، يستنفر خيالك طاقته عما يحتويه بيت الله الحرام، وقبلة المسلمين منذ رُفعت قواعدها، ومهوى الأفئدة منذ سمعت نداء الخليل.

أخذتني ذاكرتي إلى أول لحظة وقع فيها نظري على الكعبة، وقفت حينها واجماً، ساكناً، مرتجفاً، تنساب من عيني العبرات وقد بتّ لا أرى من المكان وما يحتويه من الزحام إلا الطلّة البهية الآسرة التي تهفو لها القلوب وتقصدها من كل فج عميق، واليوم ها هي العين والروح والفؤاد في أرجائها حاضرة.

ما إن تطأ قدماك أرضية الكعبة المشرفة، حتى تهب عليك رياح طيبة، هي عبارة عن مزيج من المسك والعود والعنبر يُستخدم في تبخيرها، وتستشعر أنك الواقف الجالس، الضاحك الباكي، الساكن المرتجف، تتداخل كل مشاعرك، تخونك كل حروفك، تتوارد كل شجونك. يصحبك مضيفك إلى الداخل، ويعرّفك على ثريات عبدالله بن الزبير رضي الله عنه التي أُهديت له ووُضعت داخل الكعبة، وهي لا تزال على حالها منذ ذلك العهد. وتسأل في أي اتجاه تصلي، فيأتيك الجواب أن الاتجاهات والأركان الأربعة كلها قبلة، فول وجهك أينما شئت... تقف برهة لتستوعب الإجابة، ثم تتذكر لحظة دخول المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة بعد فتحها وتطهيرها من الأوثان، فتجد نفسك تقتفي خطى الحبيب وموضع صلاته، لعل جبهتك أو جزءاً من جسدك يلامس أرضاً لامسها الجسد الشريف، فما أجلّه من شرف، وما أعظمه من فضل. ويحتويك اللون الأخضر من كل جانب من خلال ستائر حريرية خضراء، تعلو لتغطي السقف، ويتوسّط البقعة المباركة ثلاثة أعمدة مرصوصة في صف واحد من الشمال إلى الجنوب، مع أرضية رخامية بيضاء، تميّزها رخامة واحدة مختلفة، تحدد مصلى نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم. ثم تقف متأملاً باباً نُقشت عليه آيات التوبة، يؤدي إلى سقف الكعبة المشرفة، وتلتفت فترى لوحات خُتمت بأسماء خلفاء وسلاطين المسلمين عبر العصور، ممن قاموا بعمارة وتجديد البيت المعمور.

استحضرت كل من وصانا بالدعاء، وكل من له في عنقنا حقوق، ودعوت الله أن يكونوا رفقاء دار المقر كما كانوا في دار الممر. تتمنى لو يطول بك المقام وألا تغادر أبدا، ولكن دقت لحظة الرحيل، لأن جموع الوفود الذين تمت دعوتهم من أنحاء الأرض ممن كتب الله لهم هذا الشرف ينتظرون أيضاً في شوق لينالوا لذة الصلاة والدعاء في جوفها. تدمع عيناك عند وداع حضن الكعبة المشرفة، وتخرج تاركاً بين جنباتها روحك معلقة بين ثرياها، وتخرج ونظرك يمتد بعيداً في السماء بإحساس لن تفلح الكلمات في وصفه مهما حاولت، لتستقبلك تلك الساعة الشاهقة قائلة لك (صلى الله عليه وعلى آله وسلم)، وتردد معها وهي تعرض لك أجل العبارات (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)، ثم تسدل جفونك على خاتمة جميلة (سبحان الله وبحمده) ودعاء عظيم (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار).

ما زلت عاجزاً عن وصف مشاعري داخل الكعبة، تلك المشاعر التي تثير العبرات والأشواق كلما استحضرت المشهد، ولكن تبقى الرهبة والتأمل مع الصلاة والحمد والثناء والدعاء أن يكتب لنا عز وجل توفيقاً أرضياً مرْضياً، لنعمل نحو رسالة سماوية بيقين المؤمنين حتى نلقى وجهه الكريم. وستظل كلماتي عاجزة... وآخر دعوانا ما قاله ربنا عز وجل على لسان الخليل عليه السلام: «رب اجعل هذا البلد آمناً».. إبراهيم -35..

د. عماد الدين حسين

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا