• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

القيادة العسكرية الأميركية في عهد إدارة جورج بوش الابن، رفضت العمل بهذه الخطة «السخيفة» التي وضعها المنفيّون العراقيون واستبدلتها بعملية الغزو المباشر.

الجلبي.. حلَّال المشاكل الأميركية!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 12 نوفمبر 2015

بموته قبل بضعة أيام، يعود السياسي العراقي أحمد الجلبي لاحتلال العناوين العريضة في نشرات الأخبار. وتعلو الآن أصوات منتقديه بسبب دوره الخطير في إعداد المعلومات الاستخباراتية الملفقة حول وجود أسلحة دمار شامل في العراق في عهد صدام حسين، وهي التي تزعم واشنطن أنها انخدعت بها ودفعتها لغزو البلد عسكرياً. ويصفه مؤيدوه بأنه «المنشق البطل» الذي لم يحظَ أبداً بالفرصة المناسبة لتحويل وطنه المنكوب إلى جنّة.

ويمكن القول إن كلا من الفريقين لم يعرف قصته الحقيقية التي تفيد بأن استدراجه للأميركيين لغزو العراق كان أقل أهمية من كونه الرجل المناسب الذي مكّنهم من تنفيذ خطتهم. وحاول الجلبي تقمص دور حلاّل المشاكل الأميركية وليس العراقية. ولو لم يكن موجوداً في الأصل، لسارع مؤيدوه لاختراع شخص آخر بحيث يؤدي ذات المهمة التي تكفل بأدائها. ومنذ أخذت الولايات المتحدة على عاتقها مسؤولية حفظ الأمن في منطقة الخليج العربي الغنية بمصادر الطاقة عام 1980، واجهت معضلة حقيقية تتعلق بالبحث عن أفضل طريقة لحماية دول مجلس التعاون الخليجي من شرور النظامين الدكتاتوريين القويين القائمين في العراق وإيران. وعندما غزا صدام حسين الكويت عام 1990، أصبح الموقف شديد الإحراج عندما تعهدت الولايات بطرد قواته وإعادتها من حيث أتت، وما لبثت أن اندلعت حرب الخليج في العام التالي.

ورأت واشنطن أنه لم يعد أمامها من خيار آخر غير البحث عن عسكري عراقي بارز ليخلف صدام حسين بعد عزله، ويمكنه أن يعمل لصالحها باعتباره الحليف الدكتاتوري القوي الذي يمكن الاعتماد عليه بشكل أوثق لتنفيذ أجندتها في المنطقة. ولم يكن من السهل العثور على هذا العسكري الافتراضي، لأن صدام حسين عمد إلى كمّ أفواه كل العسكريين المناوئين له بعد نهاية الحرب. وبسبب هذه الأوضاع، أقنعت واشنطن نفسها بفكرة الالتزام بالحماية الأمنية للمنطقة على الطريقة الكورية، وهي الفكرة التي كانت تحاول تجنبها.

وسارعت إدارة كلينتون إلى مباركة هذه السياسة والعمل بها خلال السنوات الثماني التي قضتها في البيت الأبيض. إلا أنها سرعان ما اكتشفت أن سياسة الاحتواء هذه تنطوي على الكثير من السلبيات. فلقد كانت مرتفعة التكاليف وتنطوي على هامش واسع من الخطورة، وتمثل لعبة الربح أو الخسارة، وسوف تؤدي إلى تعريض الشعب العراقي للكثير من الآلام والمعاناة. وبدأ البحث عن حلول بديلة.

وهنا يظهر الجلبي في مقدمة المشهد مرة أخرى لتقديم الحل. وبالحصول على الشيء القليل من المساعدة، وبمساعدة لفيف من أقرانه العراقيين الذين يعيشون في المنفى، وعد بحل كل المشاكل التي تواجهنا في المنطقة. وسوف يبدأ هؤلاء بتشجيع التمرّد وتجميع جهود العراقيين الذين يتعرضون للقمع للإطاحة بصدام حسين وتشكيل حكومة جديدة ديمقراطية رأسمالية مؤيدة لأميركا وحتى لإسرائيل.

ورأى البعض أن هذا العرض جيد وممكن التنفيذ للدرجة التي دفعت الخبراء في الوكالات الأمنية للولايات المتحدة لتبنّيه بالرغم من كثرة الانتقادات التي وجهت له. وكان الجلبي ذكياً عندما قال لمنتقدي خطته في الإدارة الأميركية ما يريدون أن يسمعوه منه. فلقد حاول إقناعهم بأن في وسعهم الإطاحة بصدام حسين أو احتوائه من دون تكاليف ولا مجهود. إلا أن القيادة العسكرية الأميركية في عهد إدارة جورج بوش الابن، رفضت العمل بهذه الخطة «السخيفة» التي وضعها المنفيّون العراقيون واستبدلتها بعملية الغزو المباشر. وكل إنسان على وجه الأرض يعلم الآن النتائج الكارثية لهذا الغزو. فلقد غرق العراق في فوضى عارمة لم يتعاف منها حتى الآن.

جدعون روز*

*خبير أميركي في شؤون الأمن الوطني والإرهاب

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا