• الجمعة 26 ربيع الأول 1439هـ - 15 ديسمبر 2017م

مارتن هيدغر المفكِّر (2)

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 24 مارس 2007

لقد سمّى هيدغر محاولته الأولى للتفكير في البدايات ''انطولوجيا''، وكان هذا هو عنوان ''المحاضرة الأولى'' التي استمعت إليها في العام ،1923 بيد أن هذه الـ''نطولوجيا'' هي ليست بالمعنى التقليدي في الميتافيزيقا الغربية، تلك الـ''نطولوجيا'' التي قدَّمت أول إجابة في تاريخ العالم لسؤال الوجود. وفي الحقيقة كان المطلب الوحيد هنا هو فقط تهيئة الاستحضارات الأولية من أجل صياغة سؤال.

ما المقصود بصياغة سؤال؟ يبدو الأمر يسيراً مثل إعداد شرك يتوافق مع إجابتهم، أو شيء ما يكون محطّ إعجاب بسبب الطريقة التي اتخذها بالنسبة لهم. ومع ذلك، فإن التساؤلات هنا لم تُطرح من أجل أن تحصل على إجابة ما. فمتى ما كان ''الوجود'' محلَّ تساؤل، لا يدور الاستنطاق حول شيء ما. وأن طرح سؤال الوجود يعني أن يتخلّى المرء عن السؤال، ذلك السؤال الذي يأخذ ''الوجود'' بنظر الاعتبار في المقام الأول، والذي من دونه يظل ''الوجود'' غموضاً لغوياً أجوف. وعندما أثار هيدغر السؤال المتعلق ببداية الفلسفة الغربية، فقد طرحه بمعنى مختلف تماماً عن المعنى الذي كان يحمله، وهو المعنى الذي كان يقصده المؤرخ. فبين الحين والآخر، كان هيدغر يقول عن هذه البداية إنها دائماً ما تهملنا وتتخطانا، ويأتي قوله هذا بخصوص قضية تجاوز الميتافيزيقا الغربية، ولم يكن الغرض من ذلك وضع الميتافيزيقا وراء ظهورنا بقدر ما هو حمل الميتافيزيقا على المثول أمامنا، بمعنى أن البحث بشأن البداية هو دائماً بحث في أنفسنا ومستقبلنا.

وبالطبع، غالباً ما أسيىء فهم بحث هيدغر المتعلِّق بالبداية على نحو ساذج، فغالباً ما أوِّولَ كما لو أنه كان يحاول الهرب من الانهيار المرعب الذي حدث في التاريخ والعودة إلى زمان أنقى قريباً من تلك البدايات والأصول. وهذا التأويل السيئ يخفق في ملاحظة الجدية التي تضع ما ''موجود'' موضع تساؤل.. فليس هناك شيء غامض حول ''مصير الوجود'' الذي يستبد بنا، إنما ذلك الذي يظهر لكل فرد نتيجة للطريقة التي سار عليها الفكر الغربي في الحضارة التقنية المعاصرة، تلك الحضارة التي تغطي العالم مثل شبكة تطوق كل شيء. وهنا تكتسي نغمات النقد الثقافي الاعتيادية غموضاً مميزاً، وتمتلئ بنُذر أزمة كالحة، ولكنها مع ذلك تستبق مستقبلاً مقاوماً يقدم نتيجة المسعى المتجه نحو الإنتاج الذي لا يقف عند حد، تحدياً جذرياً للوجود. ولكن المرء، وهذا ليس وهماً، يمكنه الانسحاب مما هو ''موجود'' إلى حرية مفترضة، إلى الأمل بالأصول التي قد تعود في يوم من الأيام.

ويجد المرء هنا جذور سوء الفهم الثاني، أعني تهمة النزعة التاريخية، وهو: إذا فُهمت تاريخية الحقيقة بوصفها مصير الوجود فسوف يضيع التساؤل المتعلِّق بالحقيقة. وهذا الافتراض يسمح بواحد من احتمالين، فهو إما أن يؤدي إلى تجديد الصعوبات التي ترتبت على نزعة فيلهلم دلتاي التاريخية، وهي نزعة استنفدت نفسها في سؤال ''اللامتناهي''، وفي مأزق التأمُّل الذاتي، أو أن يؤدي إلى نزعة عاطفية اجتماعية أخلاقية تقتضي تأملاً اجتماعياً. وفي الحالة الأخيرة، يعي المرء أولاً النزعة الأيديولوجية المتأصِّلة في كل معرفة، ويعي من ثم ـ بعد أن تقدِّمَ هذه النزعة بطريقة جدلية وهمَ حرية ما ـ نداءً للانهماك الاجتماعي.

وغرابة هذا المنحى من التفكير تظهر عندما يُنظر إلى فكر هيدغر على عكس ما درج عليه ذلك الفهم، أي ينظر إليه على أنه لا ينطوي على شيء يدعو إلى مثل ذلك القلق، فهذا الفكر لا يرى نفسه أداةً لتحقيق غاية معينة. فهو ليس فكراً يكون كل شيء فيه معتمداً على الحصافة، وعلى موقف متعالم، بل هو في الحقيقة فكر يتجلى كهمّ محض. لذلك فإن التعالم لا ينفع في شيء هنا، وعلى المرء أن يدرك أن الفكر هو دائماً نكران للذات، بمعنى عميق ونهائي وليس فقط بمعنى أنه فكر لا يمكن أن تقوده مصلحة معينة من أجل الظفر بمكسب فردي أو مجتمعي. إنما هو يعني أن الذات الفعلية المفكرة، المتحددة شخصياً وتاريخياً، هي ذات خامدة. من الصحيح أن مثل هذا التفكير يحدث بشكل نادر ـ ويجب قبول تهمة أنه يفتقر إلى المسؤولية الاجتماعية لأنه لا يقر بقناعاته الخاصة ـ إلاّ أنه كانت هناك نماذج عظيمة وأمثلة مقنعة على هذا النوع من التفكير. وكان الإغريق أساتذةَ هذا الفن العظيم، فن نكران الذات غير المألوف، حتى أنهم استخدموا كلمة عقل Nous, التي تعني (بشكل مطابق تقريباً) ما تعنيه المثالية الألمانية من العقلي والروحي التي لا يعني فيها الفكر غير ''ما هو موجود''. ويمكن اعتبار فردريك هيغل المفكِّر الإغريقي الأخير لكون جدله اقتضى نكراناً للذات من هذا النوع، فجدله أقام فكراً من دون أن يتباهى بأفكاره، أو من دون موقف متعالم. وهيدغر عندما يضيف اسمه ـ شئنا أم أبيناـ إلى قائمة المفكرين الكلاسيكيين، فليس لأنه يتبنى تساؤلات عظيمة من هذا التراث العظيم خالية من أي مسافة ''تاريخية''، ويتخذ من سؤال الوجود شيئاً يخصه، بل لأن هذه التساؤلات غمرته تماماً بحيث ما عاد هناك مكان يفصل بين ما يفكر فيه ويعلمه وبين ذاته ذاتها. وهذا النوع من التفكير غير المألوف يقوم على نكران الذات؛ وهو نكران للذات لا يعود يعرف ذاته، ولا يعود متورطاً في جدل محاولة معرفة نفسه أفضل فأفضل.

هانز جورج غادامير

ترجمة: علي حاكم ـ كوبنهاجن