• الثلاثاء 23 ربيع الأول 1439هـ - 12 ديسمبر 2017م

من فلسفة التأويل إلى نظريات القراءة

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 24 مارس 2007

عن الدار العربية للعلوم في بيروت صدر كتاب عبدالكريم شرفي (من فلسفة التأويل إلى نظريات القراءة). لم يكن اختيار المؤلف لهذا الموضوع بدافع من الانحياز الأعمى للفكر الغربي، ولم يكن يحرِّكه الاهتمام المتزايد بقضايا ومسائل النظرية والنقد الغربيين على حساب الجهود التنظيرية العربية، وإنما كان اختياره قائماً على قناعته بضرورة المساهمة، في مدِّ جسر التواصل والتحاور المعرفي الذي يمنح القارئ والباحث العربي إمكانية الإطلاع على النتاجات الفكرية الناجمة عن الحركة الغنية للفكر الفلسفي والتنظيري والنقدي في الساحة الثقافية الغربية، فيكتسب بذلك مخزوناً معرفياً جديداً يسمح له بأن ينظر بعين الموضوعية إلى موروثه المعرفي الخاص.

جميلة مبروك:

تجدر الإشارة إلى أن هذا البحث لم يكن بإمكانه، وليس بإمكانه مطلقاً، أن يدّعي الشمولية الكاملة في تناوله لهذا الموضوع، سواء من حيث الاتساع أم من حيث العُمق؛ فهو لا يطرح ''كل'' الإشكالات والمسائل المتعلقة بالقراءة والتأويل، ولا يتعرَّض ''لكل'' التيارات الفكرية والنظرية الغربية الحديثة التي تناولت هذه الإشكالات بالمعالجة، فمثل هذا الموضوع لا يمكن لأي بحث، ولا لأي اختصاص، أن يحيط به بمفرده. ومن هنا كان هذا البحث مجرَّد ''مقدِّمة'' أو مدخل إلى الموضوع.

فهل يمتلك النص وجوداً متحققاً وملموساً دون تدخل الذات الواعية التي تخرجه إلى حيز الوجود ؟ وهل يمتلك النص هوية أو ماهية أنطولوجية بحيث يمكن للذات أن تدركه ''كما هو'' دون أن يكون انعكاساً أو نتيجة لأفعال الفهم التي تمارسها عليه ؟ وهل المعنى موجود ومعطى ومشكل داخل النص يجب اكتشافه واستخراجه وتوصيله إلى الآخرين أم أن الذات القارئة أو المؤولة هي التي ''تبنيه'' و''تركبه'' من خلال المعطيات النصية لأنه ليس معطى وليس محدداً بأي حال من الأحوال داخل النص؟ هل المعنى الناتج جوهري ومستقل عن تدخُّل الذات التي تنجزه أم أنه مشروط بمشاركتها ؟ وهل هو ثابت ولا زمني ومطلق ونهائي أم أنه متعدِّد ويتغير باستمرار؟ وما نوع العلاقة التي تربط بين العمل الأدبي ومؤلفه ؟ هل من الممكن أن يتساوى القصد العقلي للمؤلف وكل ما يثيره النص من معان ؟ هل من الضروري أن يتوصَّل المتلقي إلى المعنى الذي قصد إليه المؤلف بالضبط ؟

ولأن هذه الإشكالات لم تطرح بحدة وبإصرار كبيرين إلا بعد التحول الذي عرفه توجه النظرية والنقد الغربيين، على يد منظري جمالية التلقي في نهاية الستينيات، ولأنها حظيت بقسط وافر من الاهتمام والنقاش والمعالجة داخل هذه النظرية التي بنيت في أساسها على هذه الإشكالات، فقد جعل الباحث من طروحات هذه النظرية المحور الأساس في بحثه هذا، مخصصاً لها الفصل الثالث منه. وقد تناول فيه المقولات الأساسية لدى كل من هانس روبرت ياوس وفلفغانغ أيزر، وبين كيف أن ياوس كان يؤكِّد على ضرورة تجديد التاريخ الأدبي، وإعادة بنائه ليس فقط على عملية الإنتاج، بل وعلى أساس عمليات التلقي المتتالية في تمفصلها مع عمليات الإنتاج، فالمتلقي في نظره لا يمنح العمل الأدبي وجوده وتحققه الملموس فقط ومن ثم تاريخه الخاص، بل ويمكنه أيضاً أن ينتج بواسطة هذا التلقي معايير جديدة للتقييم وللإبداع أيضاً.

كما بين ياوس أن هذا الالتقاء بين العمل الأدبي والمتلقي وكذلك التقاء المؤرخ، الذي يؤرخ انطلاقاً من الحاضر، مع الماضي، ليس موضوعياً خالصاً، وليس ذاتياً خالصاً، بل هو مشروط دائماً بالعلاقة التفاعلية والتحاورية القائمة بينهما، وباندماج وانصهار أفق كل واحد منهما بأفق الآخر. أما إيزر فقد اهتم بفعل القراءة مؤكداً أن معنى النص ناجم عن التفاعل التواصلي القائم بين النص والقارئ، أي أنه من إنتاج القارئ ولكن بإرشاد من التوجيهات النصية. ... المزيد