• الخميس 25 ربيع الأول 1439هـ - 14 ديسمبر 2017م

تنويعات رمزية من الذاكرة

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 24 مارس 2007

الشارقة ـ الاتحاد : يثبت ناجي الحاي في كل عرض يقدمه، أن الإيمان بالمسرح هو إيمان مقرون بتجليات إبداعية باذخة، وفرادة تعبيرية متخلصة من التكرار والتماثل، فالهمّ الإنساني والجمالي عند ناجي يتفتح دائما على هذا التجدد المعرفي والتوق الداخلي لتشريح العذابات الكامنة في مطويات الزمن والشخوص، يراهن ناجي على الدمارات الإنسانية المغيبة، وعلى سجلات الرمل ومخطوطات الماء كي يوثق روحيا لسيرة البحر والصحراء، ومن دون الدخول في لعبة النقل الظاهري لأشكال الموروث أو الفلكلور، إنه يوثق كي يمزّق، وكي يتجول ببصيرته الحارقة في الماضي ويلهب بها الذاكرة، ثم يعيد صياغتها شعريا على مقاس الشرخ والأنين والصرخة، وهكذا فإن الدخول إلى عرض ناجي الحاي شبيه بحالة ذوبان في طقس شعائري، إنه ولوج مرهف وقاس في نفس الوقت، لأنه مشمول بحالات من التلبس والحلول والانصهار، لا يقدم ناجي عملا للمشاركة العابرة، أو لتسجيل حضور ما في الأرشيف المسرحي المحلي، فخلق الذاكرة الجمالية عنده يطغى على كل شأن إحصائي وتدويني صرف.

هذه المقدمة أتت بعد مشاهدة عرض ''مجاريح'' الذي أخرجه الحاي وكتبه إسماعيل عبدالله وقدمه مسرح أم القيوين الوطني في اليوم الختامي لعروض أيام الشارقة المسرحية في دورتها السابعة عشرة.

فمن خلال عرض مفتوح في الهواء الطلق، وشبيه بالمسرح الدائري، وفي أحد البيوت المرممة بمنطقة الشارقة القديمة، قدم ناجي الحاي عمله ''مجاريح'' كي يلتصق الجمهور بفضاء تفاعلي، يلغي الفضاء المحصور والمصطنع لمسرح العلبة، هذا الخيار الذكي والانتقائي أسس لعتبة مهمة في العرض، وهي العتبة التي يمكن أن ننعتها بـ''منصة الحواسّ''، لأنها المنصة التي تهبط وتلامس وتتداخل مع جسد العرض، في علاقة تبادلية وجمالية تهدم وتفكك الجدار الوهمي بين المتفرج وبين المناخ العضوي للفعل الدرامي، بحيث يتوارى القصد الفني للعرض في الشرود الطقسي للمشاهد، ويتنحى التصنع لصالح التعايش اللحظي، وأزعم أن ناجي الحاي استطاع أن يمهد لنقلات مدهشة في هذا السياق، وأن يغامر بثقة لتحقيق التماهي الروحي بين المتلقي وبين حيثيات العرض، وأن يتخطى حاجز الزمن المفبرك والمكان المتخيّل، وبامتياز يحسد عليه.

يتناول عمل ''مجاريح'' ثيمة الزمن الدائري، أو ''الكارما'' كما يطلق عليها في الديانات الشرقية، وهي ثيمة تقوم على فكرة الانتقام السماوي الذي يصيب المذنب أو المخطئ بحيث يتكرر سيناريو الخطيئة في حياته، ويتضرر منها، وبنفس الطريقة التي تضرر بها الآخرون في الماضي.

يرتكز نص ''مجاريح'' الذي كتبه إسماعيل عبدالله بمزاج شعري عال، وبحفر جمالي مبهر في جسد المفردة الشعبية، على شخصيتين رئيستين هما فيروز ـ يقوم بدوره باقتدار وتمكن الفنان سعيد سالم ـ وميثاء ـ تقوم بدورها وباستحواذ هائل على مفاتيح الشخصية الفنانة ملاك الخالدي ـ حيث نراهما في حالة تناوب بين العشق والنفور، وبين الهيام الشعري والواقعية الجارحة، من خلال تقنية الفلاش الباك وتحريك الزمن من الحاضر إلى الماضي وبالعكس، فنرى فيروز في الزمن الحاضر وهو يقنع زوجته بضرورة زواج ابنتهما عذبة (أمل محمد) وابن صديقه عازف الهبان خيري (محمد طرار) ـ ولكن البنت ترفض هذا الزواج الإجباري، وتصر على موقفها رغم العنف الجسدي واللفظي الذي يمارسه الأب عليها، ومع العودة إلى الزمن البعيد نرى فيروز وهو يتودد لميثاء قبل زواجهما، ولكن هذا التودد يقطعه والد ميثاء بقسوة ويرفض زواج ابنته من فيروز الذي ينتمي لطبقة (العبيد) الذين لا يمكن أن يختلط دمهم بدم أسيادهم، ويصر فيروز على الزواج وعلى إنقاذ روحه من قيد العبودية، فيذهب إلى الوتد الهائل الذي يرفرف فوقه صك الحرية، وهو الوتد الذي دونه أهوال ومصاعب ومسافات، ورغم عودة فيروز بهذا الصك، إلاّ أن والد ميثاء يرفضه مجددا، ويصر على زواج ابنته من (مايد بن ناصر) المنتمي لطبقة الوجهاء، وفي ليلة الزفاف المنتظرة تهرب ميثاء وتذهب مع فيروز إلى منطقة جبلية نائية وبعيدة، وهناك تتأسس عائلتهما الصغيرة، فيستثمر المخرج ثيمة (الكارما) أو الزمن الدائري، الذي ينتقم من المخطئين، كي يتحول فيروز إلى أب متسلط، يمارس جبروت السيد على ابنته المستضعفة، وعندما تهرب الابنة في نهاية القصة، وتتغير مع هروبها ملامح العرض، فإن الوتد يظل حاضرا وطاغيا على البعد المشهدي للمكان، كي يؤكد على أن ثنائية السلطة والعبودية هي ثنائية مغروسة في الذات البشرية، وأنها تتلون وتتشكل حسب شروط واملاءات الحياة، فالعبد المستضعف قد يتحول إلى طاغية إذا أدت الظروف إلى امتلاكه لخيوط اللعبة، والسيد قد يتحول إلى عبد إذا انفرطت من يديه هذه الخيوط.

عرض ''مجاريح'' هو في النهاية عرض لا يمكن أن يهب نفسه بسهولة للمتفرج السلبي، فهو يقبع هناك في شظايا التأويل، وفتات الأقنعة، ومرايا الداخل، وكل ما يمكن أن يمزق ''الانطباع''، ويتركه مترنحا في مدارات وتنويعات المسرح المختلف.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال