• الجمعة 03 ربيع الأول 1438هـ - 02 ديسمبر 2016م

يوميات دامية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 05 نوفمبر 2015

وأنا أتصفح الجريدة في أحد الصباحات، توقفت لأتأمل إحدى الصور التي لم أستطع تجاوزها، كانت الصورة مليئة بجثث القتلى إثر قصف صاروخي من قوات النظام على مدينتي «دوما» و«حلب» في سوريا، وبكل أسف أقول، ليست الجثث ولا الخبر المحزن الذي كُتب بالخط العريض على الصفحة هو ما شدّ انتباهي، إنما أولئك الأحياء في الصورة الذين ينقلون القتلى ويدوسون على الأرض المخضّبة بدماء الأبرياء، تمعنت في وجوههم ملياً وفي أيديهم التي تحمل الموتى وكأنهم دُمى، تفرّست في إيحاءاتهم التي بدت لي واضحة التعابير، يتوسط الصورة شاب لم يخضرّ شاربه بعد، يحمل إحدى الجثث بيد واحدة مهرولاً ليلقي بها مع باقي الجثث المركونة جنباً إلى جنب، كانت تعابير وجهه لا توحي بشيء، لم أر الخوف أو الرهبة أو الحزن، وفي أعلى الصورة أقصى اليسار شاهدت رجلاً يضع يديه في جيبيْ بنطاله متسمراً وهو يتفرج على الحدث بهدوء وكأن شيئاً لم يكن، كانوا ينقلون القتلى كما ينقلون بضاعة إلى مستودعات التخزين.. كيف لم ترتعد أجسادهم وتقشعر أبدانهم، وأشلاء القتلى تحيط بهم من كل جانب؟!

هل يُعقل أن يصل الأمر بنا إلى هذه المرحلة من البرودة؟!

يبدو أن الأمر أصبح اعتيادياً وعادياً.. لمَ لا؟ ومشاهد القتل والاغتيالات أصبحت جزءاً من يومنا على شاشات التلفاز وهواتفنا النقّالة ومواقع التواصل الاجتماعي، نتناول إفطارنا ونحتسي الشاي كل صباح على أخبار الدمار والمآسي وأشلاء القتلى التي تتصدر صحفنا، نقلّب الأوراق على عجل ونمضي دون أن نكترث وكأن الأمر لا يعنينا، وكأن الأمر ليس له علاقة بالإنسان والإنسانية.. هل الإفراط في تناول الأحداث المؤلمة يؤدي إلى تخمة المشاعر؟!

أنا لا أُبرئ نفسي، فلقد صرت منهم، متبلد المشاعر، 90 قتيلاً بينهم 17 طفلاً في «دوما» و«حلب»، مرّ عليّ الخبر مرور الكرام وأنا أتصفح الجريدة وأحتسي قهوتي الصباحية، دون أن تهتز شعرة في جسدي أو أغص بقهوتي المرة التي لم تكن أمرّ من الخبر، ولكنني حزنت كثيراً.. حزنت على قتلى المشاعر.

أحمد سالم الغافري - العين

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا