• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م
  07:36    مصدر أمني: مقتل 40 جنديا يمنيا بتفجير انتحاري داخل معسكر في عدن    

ما بين الثقافتين العربية واليونانية من تشابهات وافتراقات

القمقم وبساط الريح

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 05 نوفمبر 2015

في «ألف ليلة وليلة» طرائق عدة لتخطي المحلية ودخول بلدان جديدة: إما الخروج من القمقم، أو يكون عندك ما كان عند الملك سليمان، نقصد بساط الريح. وهناك طرق أخرى، فالسندباد تعلق بالنسر وعرف جزراً جديدة، الخ.. بيد أن كل هذه الطرائق غامضة ولا يمكن تفسيرها إلا بالقوة السحرية. ولو انتقلنا من «ألف ليلة وليلة» إلى الواقع، لألفينا أشياء لا تفسر إلا بكلمة «معجزة» أي... عدنا إلى السحر من جديد. فنحن نقول عندما نشاهد عملاً يستعصي على التقليد إنه «سرّ الصنعة» وهو اصطلاح دبلوماسي للإقرار بعدم وجود تفسير، أي نستحي أن نقول «معجزة» أو «سحراً»، فنلجأ إلى مصطلح نوهم أنفسنا بواقعيته، وليس بذلك.

السحر تعرفه كل الشعوب، فالعرب كانوا يعزون إلى الجن كل عمل خارق، والكاتب اليوناني، وبخاصة يوريبيدس، يلجأ في المسرح إلى إنزال الإله في آلة عندما يصل إلى عقدة لا حلّ لها.

على أن السحر في الأدب، وهو سرّ صنعة الأديب، صار في الدراسات الأدبية أداة بيد الناقد لممارسة التفسير، وأيّ غرابة إن كان التفسير فكّاً لشفرة التأثير! فها هو هيغل يشرح التأثير اليوناني بـ«المعجزة اليونانية» وحاول تلميذه ماركس أن يتشعّب أكثر فزعم أن اليونان يمثلون طفولة البشرية، فنحن نعجب بهم، لأننا نحنّ دائماً إلى هذه الطفولة. وهكذا اعتمد هذا الفيلسوف المادي على ما ليس مادياً في تفسير ظاهرة واضحة للعيان، ولكنها مستعصية على التفسير المادي، فهناك عدم تطابق بين الأبنية الفوقية والأبنية التحتية. بعضهم لا يعتبر هذه النوستالجيا كافية لتفسير ظاهرة الأدب اليوناني، لأن هناك فعلاً عملاً معجزاً، بمعنى أنه لم يتكرر في تاريخ العالم - حتى اليوم على الأقل. على أن هناك قانوناً عاماً في التقييم الأدبي هو أنك مضطر إلى التسليم بالإعجاز أمام ظاهرة لا تجد لها مثيلاً، من قبل ومن بعد، أو كما قلنا حتى اليوم على الأقل. تسمي الظاهرة «سر الصنعة»، تسميها «معجزة»، تسميها «سحراً»، تسميها «فناً متفرداً»، تسميها «استثناء القاعدة»... أنت حرّ. بيد أن هذه التسمية ذاتها سوف تلجأ إليها عندما تعجز عن التفسير، لتكون هي التفسير الحالي، ريثما تهتدي، أنت أو غيرك، إلى حلّ هذا اللغز.

ظاهرة عربية

لنأخذ بكلام هيغل القائل إن اليونانيين طرحوا الأسئلة الأساسية، أو لنأخذ بكلام ماركس الذي سعى جاهداً إلى حل لغز تلك المعجزة التي أشار إليها هيغل. إنه لا ينطبق إلا على الأدب اليوناني، وكل آداب أوروبا قائمة على الأدب اليوناني، وهي آداب متأخرة في ولادتها، فبعضها لم يظهر إلا بعد انصرام العصور الوسطى، فالأدب الأسترالي والأدب الكندي والأدب الأميركي من الآداب الحديثة جداً، وكذلك أدب أميركا اللاتينية كله، لا نستثني أدباً من آدابه.

ننتقل بعد ذلك إلى الأدب العربي بعد أن أقررنا أن الأدب اليوناني معجزة، سواء فسرت أم لم تفسر. إنه ظاهرة عربية، لا مثيل لها أيضاً، أشبه بالمعجزة اليونانية، فهو الأدب الوحيد الذي ظهر في الصحراء واستمر كل هذه المدة الطويلة، ليس بفرضه - فلا يمكن فرض الأدب - بل بميزاته، فاستهوى كل الأعراق الأخرى وانتشر انتشاراً واسعاً لم يعرفه أدب آخر. أليست ظاهرة عربية تستحق التأمل؟ ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف