• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م
  05:39    وفاة مواطنة وإصابة زوجها وابنها في حريق برأس الخيمة     

الانطواء في الأدب.. إبداع ضلَّ طريقه

داخل أسوار «الغيتو»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 05 نوفمبر 2015

شكّل مبحث سوسيولوجيا الأدب أحد المباحث التحليلية المهمّة في حقل الدراسات الأدبية في الغرب، عماده في ذلك أطروحات لفيف من الكتّاب، من أبرزهم جورج لوكاش وفالتر بنيامين وتيودور أدورنو وأنطونيو غرامشي وكريستوفر كودويل. وقد عُدّ هؤلاء الكتّاب من الآباء المؤسّسين لهذا التخصص، لما تميّز به جلّهم من منزع نقدي، حوّلوا من خلاله حقلاً إبداعياً إلى مجال قابل للفحص والتحليل.

على غرار تمدّدِ المدخل السوسيولوجي لِيشمل بالدراسة والبحث وقائع ذات طابع مفارق مثل الظواهر الدينية، بمنأى عن صدقها أو زيفها، توجّهَ مبحث سوسيولوجيا الأدب إلى تتبّعِ مكوّنات الحقل الأدبي، بحثاً عن إرساء جملة من المعايير والضوابط التي تحكم سير العملية الإبداعية، بعيداً عن الحكم على جماليتها أو فحواها. ولم يكن التفحص متوجهاً إلى المنتوج الإبداعي في ذاته والحكم على جماليته، بل معالجته كواقعة فينومينولوجية ترصد المؤلِّف والمؤلَّف والمتلقّي.

الغيتو الأدبي

في فترة يشهد فيها المنتوج الروائي العربي فورة لافتة، يبدو مجال الأدب في أمسّ الحاجة إلى تفحّصٍ عماده أدوات عالم الاجتماع، يعضد دور الناقد الأدبي، بما يسلّط الضوء على خبايا العمل الأدبي. وإن اختلفت المقارَبتان السوسيولوجية والنقدية من حيث تناول المنتوج الإبداعي، فإن تكاملاً جلياً بينهما، يذكّر بتكامل مقاربتي التيولوجي والفينومينولوجي في تتبّع الظواهر الدينية، أحدهما من الداخل والآخر من الخارج.

وفي ظل الأجواء العربية الراهنة الواقعة تحت ضغط الاستنفار الهائل، ثمة حالة من الانطواء مملاة على المبدع الأدبي تجرّه جرّاً نحو عالم رموزه الضيق، مشفوعة بانزواء داخل حيز جغرافي جهوي مصطَنَع، مما أفرز حالات اختناق أدبية فعلية. ولا شك أن ظاهرة الانطواء في الثقافة تأتي انعكاساً لأفق ضيّق يفتقد إلى رحابة الرؤية، يوشك فيه المناخ السائد أن يحوّل الكاتب إلى لسان طائفي، لا يرى العالم سوى من داخل دروب آلامه وأزماته. والخطورة أن ضيق الرؤية يولّد قيمًا عقيمة، تعجز عن التعايش مع الواقع الزاخر بالتنوع، ينحرف معها الفكر وتتحول فيها الثقافة إلى نباح أيديولوجي داخل أسوار الغيتو، فيتراجع المضمون الخلقي للأدب، ليس بالمعنى الوعظي الساذج بل بمعناه السامي المتعالي.

وحين يهجر الكاتب القيم النبيلة والهموم الجماعية والحس الإنساني المشترك، من الهيّن أن ينحدر الفكر نحو تغذية الانزواء، في مجتمع تخلّى عن قضاياه المصيرية وصار يركن في معالجتها إلى أسلوب مشوَّه مغترب. لذلك مع الانعزال الثقافي ثمة خطورة لتحويل الأجناس الأدبية، والأدوات الثقافية، والمنابر الإعلامية، إلى مقبرة للثقافة لا تنتج سوى أشباح مشحونة بنرجسية مرضية. وبغرقِ الكاتب في زهو الفئة المختارة يوشك أن ينقطع حبل التواصل مع الناس، ليغدو الخطاب ضيقا حرجا فاقدا لبعده المنفتح الحاضن للجميع. فيتحول الأدب إلى ريبورتاج أنثروبولوجي باهت يفتقر إلى القيم المشتركة. من هنا يبدو دور المثقف الحق في إخراج الرؤى والمشاعر والأذواق من ضيق المحدود إلى رحابة اللامحدود، وعرض طروحات مستجدة في رؤية الذات والعالم. إذ يقع الكاتب أحيانا في شراك الانغلاق بدعوى الدفاع عن الخصوصية والانتصار للهوية، وهو في الحقيقة يعلي من جدران الانزواء بما يقلّص من قنوات التواصل مع المغاير والمختلف. في ظرف يستدعي أن يكون تواصل المشاعر والأفكار حاضرا بين المثقف وسائر الخلق ضمن رؤية كونية شاملة. ولذلك لا يكتب الكاتب إلى قومه وعشيرته، أو نحلته، حين يكتب، بل يكتب إلى عالم أرحب، وإن طرح مشاكل أفراد أو قضايا فئات هم من ذويه وأهله وأبناء جلدته، ومن هنا وجب التنبه إلى جدل العالم الأصغر مع العالم الأكبر. فضمن هذا السياق يأتي إلحاح أنطونيو غرامشي على بناء قاعدة عامة تكون بمثابة طوق النجاة للصلة الرابطة بين الثقافة والمجتمع. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف