• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م
  05:39    وفاة مواطنة وإصابة زوجها وابنها في حريق برأس الخيمة     

عن الشروط «العالمية» التي تصون محلية الأدب

عقدة الركون والتجاوز

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 05 نوفمبر 2015

في العدد الصادر في 11 سبتمبر 2014 من جريدة «المصري اليوم» كتب المفكر الدكتور جلال أمين مقالاً بعنوان «نجيب محفوظ... أو كيف تصبح أديباً عالمياً»، وهو مقال رفيع المستوى، بالغ العمق، ومع ذلك فإنه سهل الفهم، بسيط العبارة. لقد كتب جلال أمين هذا المقال في ذكرى الاحتفال بنجيب محفوظ، وهو يبدأ مقاله من حيث يريد أن ينتهي، فيقول: «أظن أن الشرط الأساسي للنجاح في أن تصبح أديباً عالمياً هو ألا يشغل هذا الأمر بالك على الإطلاق. الشرط هو أن ينصرف همك إلى الكتابة بصرف النظر عما إذا كان موضوع الكتابة محليًا أم عالميًا. فإذا كنت بالإضافة إلى ذلك شخصًا موهوبًا، فقد يضمن هذا لك اعتراف العالم كله بك». لا يبدأ جلال أمين مقاله من حالة نجيب محفوظ كمثال مُعبِّر عن تلك المقولة؛ لأن حالة نجيب محفوظ هي مجرد مناسبة للإفصاح عن هذه الفكرة التي يريد أن ينتهي إليها.

على الرغم مما هنالك من استبصار قوي في المقال سالف الذكر فيما يتعلق بمسألة محلية الأدب وعالميته؛ فإن هذه المسألة تحتاج إلى كثير من التحليلات للمفهومين الأساسيين المتضمنين فيها، واللذين كثيراً ما يختلطان على الأفهام، بحيث يحدث عادةً تصورهما باعتبارهما مفهومين متقابلين أو متضادين، وهو فهم مغلوط لحقيقة الأمر هنا. ولقد شغلني من قبل إيضاح تلك المسألة وإزاحة اللبس عن مفاهيمها الضمنية، في أكثر من دراسة تتعلق بتجليات هذه المفاهيم في مجال الفن عموماً، أعني على مستوى النظرية الجمالية. غير أنني سأسعى هنا إلى الكشف عن المفاهيم المتضمنة في هذه المسألة في مجال الأدب تحديداً، على مستوى التنظير، مع التطبيق على بعض الأمثلة العيانية.

قضية زائفة

هناك - في واقع ثقافتنا العربية - فهم شائع ساذج لمفهوم «العالمية» في الأدب (والفن عموماً) باعتبارها ذيوع العمل الأدبي وانتشاره خارج حدود موطنه أو إقليمه. وعلى هذا، فإن عدم انتشار الأدب يعني - وفقاً لهذا الفهم السطحي - أن الأدب يتسم بضرب من الدونية وأنه محدود أو محلي. ومن ثم، فإن السؤال الذي يلح على أذهان البعض حينئذ، هو: وما سبيلنا إلى العالمية؟ ومن ثم: كيف ينتقل الأدب عندنا من المحلية إلى العالمية؟ وهذا السؤال يصبح مطروحاً بقوة أكبر كلما أصبح فن أو أدب العرب مطروحاً للعرض والتقييم في ساحات المهرجانات والجوائز العالمية (وربما يفسر لنا هذا حالة السعي المحموم للأدباء في عالمنا العربي نحو ترجمة أعمالهم، ونيل الجوائز، وحالة الهوس التي تصيب الناس عندما يفوز أديب في موطنهم بجائزة كبرى أو عالمية).

ولكن وضع السؤال على هذا النحو يفسد القضية برمتها، ويجعل منها آخر الأمر قضية زائفة؛ لأن صيغة هذا السؤال تضع خاصية «المحلية» التي يوصف بها الأدب (أو الفن عموماً) في حالة تعارض - بل في حالة تضاد - مع خاصية أو طابع «العالمية»، وهذا ما سبق أن فصلناه في دراسة لنا بعنوان «عالمية الفن ومحليته: تحليل لقضية زائفة».

والحقيقة أننا يمكن أن نرصد موقفين رئيسين يتجلى فيهما هذا التعارض بين هاتين الخاصيتين عند مرددي هذه القضية: ففريق يرى أن الفن (ومنه الأدب) ينبغي أن يكون عالمياً كي يكون فناً، وهذا يعني بالنسبة لهم أنه ينبغي أن يتخلص من خاصية أو صبغة المحلية التي هي سمة الفن الأدنى قيمة، فهي وصمة أو قصور يشوب الفن ويعيبه. وفريق آخر يرى أن الفن بطبيعته يكون محلياً وليس عالمياً؛ لأن كل فن ينشأ داخل إقليم أو وطن أو قومية ما، والقومية ضد العالمية، وليست عالمية الفن سوى خاصية دخيلة أو حالة طارئة على الفن، فهي ليست تعني سوى انتشار الفن وفقاً لظروف سياسية وحضارية معينة، كأن يكون - على سبيل المثال - الاتجاه والثقل السياسي للدولة التي ينتمي إليها المُبدِع، مؤثراً في موازين الجوائز العالمية التي تمنحها هيئات دولية بعينها، أو يكون انتشار الفن عالمياً متأثراً بمدى انتشار لغة العمل الفني المبدَع (كفنون الأدب والفنون التي تعتمد على النص الأدبي)، وبمدى ثقل أجهزة الإعلام في موطن العمل، إلخ.. والتحليل الذي سوف نقدمه - فيما يلي - سوف يكشف لنا أن كلا الرأيين على خطأ. وليس معنى ذلك أننا نريد أن نقف موقفاً وسطاً بين الرأيين اللذين يضعان خاصية المحلية في حالة تعارض مع خاصية العالمية في الفن، بل إننا نريد أن نكشف عن وجه القصور فيهما من خلال تحليل متأنٍّ دقيق يكشف لنا عن زيف القضية من أساسها كما يطرحها هذان الرأيان، ويكشف لنا - في الوقت نفسه - عن رؤية أو تصور تركيبي آخر لا يجمع أو يوفق بين هذين الرأيين وإنما يتجاوزهما كليةً. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف