• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

الفكر العربي في مواجهة النزعات الانعزالية والانفصالية

الواقع ينتقم من الآيديولوجيا!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 05 نوفمبر 2015

ليس من قبيل المبالغة القول بأن الفكر العربي يواجه الآن أخطر محنة في تاريخه. وهي محنة تتهدد وجود العرب ككتلة حضارية من جملة كتل أخرى ضخمة: كالكتلة الأوروبية، أو الأميركية، أو الصينية، أو الهندية، أو اليابانية، أو التركية، أو الإيرانية، الخ.. العرب مهددون الآن ليس فقط في جغرافيتهم وإنما أيضاً في لغتهم وآدابهم وحتى في وجودهم. كل الانقسامات التاريخية المطموسة تنفجر الآن من تحت أقدامنا كالقنابل الموقوتة. وكنا اعتقدنا أو توهمنا بكل سذاجة أننا تجاوزناها. وأقصد بذلك الانقسامات العرقية اللغوية، أو الطائفية المذهبية. كل ما حاولنا تحاشيه طيلة المرحلة الماضية أو غض الطرف عنه وطمر الرأس في الرمل كالنعامات خوفاً من مواجهته أصبح يترصدنا، يقف أمامنا كالخطر الماحق.

النزعات الانعزالية أو الانفصالية لم تعد تعني فصل المغرب عن المشرق مثلًا، ولا حتى تقسيم العالم العربي إلى أربعة أقاليم أساسية: هي بلاد الشام والعراق، أو وادي النيل من مصر إلى السودان، أو شمال أفريقيا والمغرب العربي الكبير، أو منطقة الخليج العربي واليمن. لا. هيهات! الانقسامات أصبحت ذرية فسفيسائية تريد تفكيك المفكك وتقسيم المقسم. تقريباً كل منطقة ستصبح دولة على أساس عرقي أو مذهبي.. إنها تعني تفتيت القطر الواحد إلى كيانات عدة منفصلة ومتناحرة كسوريا أو اليمن أو العراق أو ليبيا والحبل على الجرار. فالبعض أصبح يتحدث عن تقسيم سوريا إلى ثلاث دول أو ربما أربع أو خمس، والعراق إلى ثلاث دول، وتقسيم اليمن إلى دولتين أو ثلاث، وتقسيم ليبيا إلى ثلاث أو أربع، الخ.. الخ..

أولًا: الانقسامات العرقية اللغوية

لمعالجة كل ذلك اسمحوا لي هنا أن أخرج على لغة الأدلجة العقيمة، وأن ألجأ إلى لغة الحقيقة والصراحة بقدر الإمكان. وأول شيء سأقوله هو التالي: لا تستهينوا بهذه الانقسامات ولا تعتبروها صنيعة الاستعمار أو مجرد فقاعات ترغو على السطح. فهذا كلام سهل يخدر العواطف ويطمئن المشاعر ولكنه لا يحل المشكل. كفانا ثرثرات في الهواء. وحدها لغة الحقيقة والفلسفة قادرة على مواجهة الاعصار. ينبغي الاعتراف بأن ما يحصل الآن في العالم العربي هو حركة صاعدة من الأعماق بل وأعماق الأعماق. وبالتالي فسوف تشغلنا طيلة عقود عدة مقبلة، ولن تحل بين عشية وضحاها. فنحن توهمنا في الخمسينات والستينات أن الوحدة العربية على الأبواب. ورافقت ذلك حماسة جماهيرية عاطفية جميلة جداً ومشروعة. ولكنها استهانت بالعقبات بل وطمستها كلياً فكان أن حصدنا الخيبات الكبرى لاحقاً. وهذه هي مشكلة الفكر الآيديولوجي أو المؤدلج: إنه يقدم دائماً صورة وردية عن الواقع محاولًا طمس كل ما لا يتماشى مع رؤيته الاختزالية لهذا الواقع بالذات. أما الفكر العلمي فيفعل العكس: إنه يصف الواقع كما هو بكل مكوناته وتعقيداته وعناصره من دون أن يحذف منه أي شيء. وأقصد بالعقبات هنا الانقسامات العرقية والطائفية بالذات. لنسم الأشياء بأسمائها هنا: الانقسام العرقي اللغوي الذي يتهدد المشرق هو الكردي - العربي. والانقسام الأكبر الذي يتهدد المغرب الكبير وإن بدرجة أقل هو العربي - الأمازيغي. هناك شعور بالغبن والقهر لدى الأقوام غير العربية. هناك شعور بأن لغتها غير محترمة داخل الفضاء العربي بل وغير معترف بها. لحسن الحظ فإن المغرب اعترف في دستوره الجديد الأخير بالأمازيغية كمكون أساسي من مكونات الأمة المغربية والهوية الوطنية. بل وسمح بفتح إذاعات باللغة الأمازيغية، وكذلك قنوات تلفزيونية وجرائد. بل ودشن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في الرباط. وأدى كل ذلك إلى تخفيف الاحتقان في البلاد، وإلى إشعار هذه الفئة العريقة والكريمة بأنها جزء لا يتجزأ من الوطن، بأنها شريكة في الوطن وليست منبوذة ولا محتقرة. أما قبل ذلك فماذا كانت تقول كتب التاريخ الرسمية المؤدلجة؟ كانت تعلم الأطفال الصغار بأنه لا يوجد شيء اسمه أمازيغ ولا علاقة لهم بأصل البلاد وأعماقها الأولى. وهذا مناقض تماماً للحقيقة التاريخية. فالأمازيغ هم سكان البلاد الأصليون، ويعود تاريخهم إلى آلاف السنين. وقل الأمر ذاته عن الأكراد في المشرق. فقد وصل الأمر ببعض المؤدلجين الديماغوجيين في عهد صدام حسين إلى حد القول بأن الأكراد عرب في الأصل ولكن الاستعمار الإنجليزي هو الذي حولهم إلى أكراد. لاحظوا الغباء التاريخي! هذا الخطاب المؤدلج العقيم هو الذي قضى على مشاريع الوحدة العربية، وهو الذي أدى إلى ردة الفعل الماحقة وانفجار العصبيات المكبوتة كالزلازل والبراكين. فلغة الكذب لا تصنع مشاريع حضارية. وحدها لغة الحقيقة والصدق تؤدي إلى نتيجة في نهاية المطاف. ماذا يحصل حالياً؟ الواقع ينتقم لنفسه من الآيديولوجيا. نقطة على السطر. فلنعترف إذاً بالتعددية الأقوامية والتنوع اللغوي الثقافي داخل الفضاء الواسع للعالم العربي. فهذا يغنيه ويثريه. إنه نعمة لا نقمة. نقول ذلك وبخاصة أن كبار الأدباء الأكراد والأمازيغ يدبجون روائعهم الأدبية الخالدة باللغة العربية.

أخطاء وتصحيحات

مؤخرا قرأت كتاب محمد شكري: «زمن الأخطاء». لاحظوا العنوان: ما أجمله! وقد استمتعت به كل الاستمتاع على الرغم من النزعة الواقعية السوداوية لشكري، والتي لا تكاد تحتمل في بعض الأحيان. هل نعلم بأن اللغة الأم لمحمد شكري هي الأمازيغية؟ وهل نعلم بأنه لم يتعلم العربية إلا على كبر، بعد العشرين؟ ومع ذلك فقد نبغ فيها حتى أصبح كاتباً عالمياً تترجم كتبه من لغة الضاد إلى شتى لغات العالم. أليس هذا مفخرة لنا؟ ألم يخدم لغتنا وآدابنا أكثير بكثير من أولئك القومجيين الشوفينيين الذين يطنطنون ويزاودون قومياً من دون أن يبدعوا شيئاً؟ وقل الأمر ذاته عن كبار المبدعين الأكراد في لغة الضاد. وهم كثر والحمد لله. وبالتالي فالاعتراف بالكردية أو الأمازيغية لا يعني تهميشاً للعربية أو افتئاتاً عليها. من يستطيع أن يهمشها وهي واحدة من خمس لغات تعترف بها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية؟ والله لو كان عندي الوقت الكافي لتعلمت هاتين اللغتين الوطنيتين الأمازيغية والكردية. لماذا نتعلم الإنجليزية والفرنسية والإسبانية وحتى الصينية والروسية ولا نتعلم لغة إخوتنا وشركائنا في التاريخ والوطن من أكراد وأمازيغ؟ هذه هي الطريقة الوحيدة لتخفيف التوتر وتحييد الانقسامات التفكيكية والنزعات الانطوائية الانعزالية. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف