• الأربعاء 24 ربيع الأول 1439هـ - 13 ديسمبر 2017م
  11:38     فوز المرشح الديموقراطي في انتخابات ولاية الاباما لمجلس الشيوخ     

مندلي نظرة أحادية لنص متشعب وفائض بالرؤى

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 18 مارس 2007

الشارقة ــ الاتحاد: ضمن العروض المتواصلة لأيام الشارقة المسرحية قدمت جمعية ''حتا للثقافة والفنون الشعبية'' عرضا مسرحيا حمل عنوان: ''مندلي'' وهو العرض الذي أخرجه الفنان الشاب محمد صالح، وقدم من خلاله رؤية شخصية وأحادية لنص متشعب وفائض بالرؤى سبق وأن كتبه وأخرجه على الخشبة المسرحي العراقي القدير جواد الأسدي، واقترنت رؤية محمد صالح لهذا النص بالاقتباس والتحوير، ذلك أن ملامح النص الأصلي كانت شبه مغيبة، وتمت معالجتها بالإمكانيات المتاحة لشباب ما زالوا يتلمسون طريقهم في دروب المسرح الطـــــويلة والشاقة.

ورغم أن مسرح جواد الأسدي يتسم بالضراوة والشعرية معا، وهو مسرح تتصادم فيه القسوة بالشغل الجسدي والأفكار الحارقة التي تتشكل في معمعة البروفة، إلا أن العرض الذي قدمه محمد صالح كان شبيها بورشة تدريبية، تتقرب من جو النص وتحاول أن تستقر في الفكرة القابلة للترجمة على أرض الخشبة، ومن أجل ذلك استغني محمد صالح عن الكثير من الهواجس والأفكار والتفاصيل الدرامية في النص الأصلي، فاستعان بالمسرح العاري المنزوع من الديكور والسينوغرافيا، وذهبت البطولة المطلقة في هذا العمل للإضاءة، ولإمكانياتها التعبيرية الخصبة، ويبدو أن اشتغال محمد صالح لفترة طويلة كفني إضاءة في الأعمال المسرحية العديدة في الأيام، مكنته من الإحاطة بحساسياتها وقدراتها كفعل تقني وإبداعي في ذات الوقت.

تناول النص الأصلي للأسدي ثيمة الخنوح أو الانهزام الداخلي لشخصية ''مندلي'' بسب الإذلال المتواصل والطغيان المركز عليه من قبل شخصية ''الضابط''، وانهزام مندلي هذا انعكس أيضا على علاقته بزوجته الجميلة ماريا وسبب شرخا كبيرا في مفاهيم إنسانية كبرى مثل الحب الطهراني، والعشق المقدس، والاقتران الروحي ...الخ، وفي المقابل فإن محمد صالح قام بإدخال بعض الإسقاطات السياسية في العمل من خلال شخصية اليهودي، وشخصية ماريا التي جيرها على الشعوب الإسلامية المضطهدة من خلال ثوب الصلاة ــ رغم أن اسم ماريا غير مرتبط دلاليا بالإسلام ! ــ، وغيرها من الرموز والتلميحات الدالة على ذاتها، ومن دون مشقة تأويلية أو جهد تفسيري.

وبجانب هذه الإسقاطات المباشرة اقترب عمل محمد صالح أيضا من مفهوم الصراع الأبدي بين العبد والسيد، وبين الحب والغيرة، وبين الإخلاص والشك، وفرش أرضية لهذه الصراعات من خلال المسرح الداكن، حيث تتحول الإضاءات الخافتة فيه إلى تعابير مسرحية وتجريدية غاية في الرهافة والعمق والتجاوب مع الانفعالات الداخلية للشخوص، إضاءات هي في الأصل دروب ومسالك لتمرير الحكاية والقول وتوفير العناية القصوى بالمفردة المسرحية، فنسمع '' مندلي'' مثلا وهو يسرد في بعض حواراته مقاطع شعرية باذخة على شاكلة: ''أريد أن أنحر الفراشة وأطفئ الضوء'' أو: ''أريد خنجرا يجزّ رقبتي بسرعة البرق'' أو: ''هناك آلة من اللهب تجرّني إليها''، وبالتوازي مع هذه التوليفات المتآخية بين الضوء والمفردة، وبين الإنارة والعبارة، كان العرض مشغولا أيضا بتجريب الأدوات الإخراجية والأدائية من خلال مجموعة شابة ومتحمسة لفن المسرح، ولعل في هذا الحماس ما يشفع للهفوات والإرباكات والبطء الإيقاعي والحركي، خصوصا في الأداء الذي رأينا عليه شخصية ماريا والذي اتسم بالشرود والانفلات في مناطق حيوية ومفصلية داخل العرض، وهناك ملاحظات أخرى حول العمل تتعلق بالخلط بين التجريد والتشخيص وعدم وجود فواصل واضحة وقاطعة بينهما تحدد هوية العمل وتخلق ملامحه التي تميزه عن الأعمال الأخرى، ورغم أن المخرج أشار في الندوة التطبيــــقية التي عــقدت بعد العرض إلى أنه متميز عن الآخرين بعدم لجوئه للديكورات التراثية والحكايا الشعبية، إلا أنـــنا نرى أن التميز لا يأتي من المعالجات الشكلية ومن ثنايا السيــــنوغرافيا وحدها، بل من الدخول في عمق الثقافــة المسرحـــية والخـــروج منها بتجارب مستـــقلة ومتوهــــجة بذاتها، من دون اللجوء لأعمال مكررة، ونصوص أهلكتها الرؤى الإخراجية لمئات المخرجين الآخرين، التميز يأتي من التواضع ومن الشغف الحقيقي والتضحية الداخلية التي لا تنتمي سوى للفن في صيغته الخالصة، وللمسرح في بهائه المتخلص تماما من حيثيات المادة والشهرة والصيت الإعلامي.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال