• الثلاثاء 23 ربيع الأول 1439هـ - 12 ديسمبر 2017م

القرن الأفريقي.. منطق التاريخ وتقاطع المصالح

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 17 مارس 2007

علي العمودي:

جغرافيا تعرف المنطقة النافرة من شرق القارة السمراء، بمنطقة القرن الإفريقي التي تضم سياسيا الصومال وإثيوبيا وإريتريا وجيبوتي وكينيا، وإلى حد ما أوغندا. أما القرن الإفريقي جيواستراتيجيا فله تشعبات كثيرة تضم اليمن وبلدان جنوب الجزيرة والخليج. وهي منطقة حيوية جدا على تماس مع الأمن القومي العربي الذي تعد امتدادا له، خاصة أن هذه المنطقة تمسك بعصب الحياة في أهم وأكبر دولتين عربيتين في إفريقيا مصر والسودان، فمن إثيوبيا وأوغندا تجري مياه النيل شريان الحياة في الوادي الذي يحمل الاسم ذاته، وهو كذلك بالنسبة لكل الأراضي التي يمر بها من المنبع إلى المنصب. ورغم هذه الأهمية الجيوسياسية للمنطقة، إلا أن نصيبها من الاهتمام العربي لم يكن بالقدر الذي ينبغي أن يكون عليه، وقد كان لهذه المنطقة اتصال حضاري بالعرب منذ حقب التاريخ المبكرة، وكذلك بالإسلام الذي دخل هذه البقاع مع بدايات الدعوة الإسلامية. وقد تعاظمت الأهمية الاستراتيجية للمنطقة مع ظهور النفط كعامل حاسم في المصالح الدولية باعتبارها تقع بالقرب من منابعه وموانئ تصديره. كما أنها منطقة مضطربة تضم مسلمين ومسيحيين وقوميات عربية وغير عربية، بل إن عدد القوميات في إثيوبيا وحدها لا يعد ولا يحصى.

يقول الكاتب والمؤرخ الإريتري محمد سعيد ناود في معرض حديثه عن الارتباط التاريخي بين العرب وهذه الأجزاء من القارة الإفريقية إن ارتباط هذا الجزء من القارة الإفريقية بالعالم العربي ارتباط قديم موغل في القدم، وهي تختلف كليا في الكثير من أوجهها عن باقي الهجرات التي عرفتها البشرية في مناطق عدة من الكرة الأرضية. وقدم هذا التواصل ينعكس اليوم في التأثير والتأثر الواضح والترابط والوجدان واللغة والثقافة والسمات البشرية.

ويقول ناود إن العوامل الرئيسية وراء أسباب هذه الهجرات متنوعة ولكن في مقدمتها الظروف الطبيعية القاسية في أرض العرب، ويذهب بعيدا للقول إن بعض المؤرخين يعتقدون أن العنصر المعروف باسم كوش بن حام بن سيدنا نوح هم أول من سكن سواحل البحر الغربية، ويرجحون أن يكونوا الأصول الأولى لقدماء المصريين. كما يشيرون إلى الهجرة السبئية من جنوب الجزيرة العربية التي تركت بصماتها وآثارها بشكل واضح من خلال موجات متتالية للقبائل السبئية القادمة مما يعرف حاليا باليمن وحضرموت.

وقال ناود إن الكتب لا تحدد لنا الكيفية التي جاءت بها هذه الموجات أو أعدادها، ولكن من الثابت أنها جرت قبل ميلاد السيد المسيح بآلاف السنين، البعض يذهب إلى ما لا يقل عن عشرة آلاف عام. وقال إن النقوش الحجرية المكتشفة تشير إلى قبائل سبئية وحميرية عبرت البحر عن طريق باب المندب وجزر دهلك باتجاه مرتفعات إريتريا والحبشة، وكان على رأس هذه القبائل النازحة من الجنوب العربي قبيلة تدعى الأجاعز اختارت الاستيطان في الأقسام الجنوبية من المرتفعات الإريترية، ومنها انتشرت لغتها الجئزية وهي لغة سامية مكتوبة ومعروفة بين سكان الهضبة، وهناك قبيلة أخرى عبرت البحر أيضا تدعى قبيلة حبلشات استقرت إلى الجنوب من مواطن القبيلة الأولى، فيما يعرف حاليا بإقليم تيجراى في الحبشة، والذي في ربوعه قامت مملكة اكسوم التاريخية، وبمرور الأيام أطلق اسم الحبشة على سائر البلاد.

ويقول ناود إن الأحباش مدينون للجنوب العربي من ناحيتين: الاسم الذي عرفت به بلادهم، ومن ناحية اكتسابهم اللغة المكتوبة التي كانت مفتاح حضارتهم وكتبوا بها تاريخهم وتراثهم. ... المزيد