• الجمعة 03 ربيع الأول 1438هـ - 02 ديسمبر 2016م

ترامب يروج لسياسة القوة، وهذا يعزز مناخ الغلظة في الانتخابات، فهو لا يعارض فقط الهجرة غير الشرعية، بل سيمنعها تماماً، وخصومه ليسوا فقط على خطأ، بل جديرين بالازدراء

حملة «ترامب».. أجواء مفعمة بالعنف

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 15 مارس 2016

بيتر جرير*

الشاب الأسود الذي احتج في اجتماع انتخابي لدونالد ترامب لم يتوقع قط اللكمة التي دحرجته إلى الممر بين المقاعد، فقد كان يغادر المبنى يحميه نواب مسؤول الشرطة في المدينة وهو يصرخ ضد الحشد، وقرر أحد أنصار «ترامب»، وهو رجل أبيض أكبر سناً يرتدي قبعة كاوبوي أن يخرسه بقبضة يده، وهذا هو ما أظهره مقطع مصور لما حدث يوم الأربعاء الماضي في مدينة «فايتفيل» بولاية «نورث كارولاينا. إنها استعارة ذات دلالة، أليس كذلك؟ السود ضد البيض والشباب ضد الأكبر سناً. وأنصار «ترامب» ضد النشطاء المناهضين لـ«ترامب». المشكلة أنها ليست مجرد استعارة، بل موقف حياة واقعي يحمل معناه بنفسه.

وترشيح «ترامب» للرئاسة يجتذب أشخاصاً بلغ غضبهم درجة تدفعهم لتهديد الآخرين. وترامب نفسه لا يمكن توقع ردود أفعاله وقد يتهور بشكل عدائي أحياناً. لكن نظام الحكومة في الولايات المتحدة يعتمد على طريقة معقدة من التوازنات وتقاسم السلطة، ويتعين على الجماعات المختلفة التعاون لتسير الأمور. وفي أميركا لا يستطيع المرء أن يشق طريقه باللكمات إلى السلطة. والحياة السياسية متجمدة بما يكفي في واشنطن. فماذا سيحدث إذا أضفنا مسحة عنف لهذا المزيج؟

وحادثة «نورث كارولاينا» ليست منعزلة، فقد تعرض محتجون آخرون ضد «ترامب» لمعاملة خشنة وطُردوا بالقوة، والصحفيون مستهدفون أيضاً. فقد ذكر أحد الشهود أن «كوري ليواندوفيسكي» مدير حملة «ترامب» انتزع صحفية من واشنطن بوست من طريق ترامب قابضاً بقوة على ذراعها، مما أصابها برضوض. وتنفي حملة ترامب حدوث هذا، وإجمالاً يشعر الصحفيون بقلق من أن يخرج المناخ العام في اجتماعات ترامب الانتخابية عن نطاق السيطرة، وفي إجراء استثنائي بشدة، أصدر اتحاد مراسلي البيت الأبيض يوم الخميس الماضي بياناً طالب فيه بالتزام الهدوء رغم أنه لم يذكر «ترامب» بالاسم. وجاء في البيان «بصفة عامة يدين اتحاد مراسلي البيت الأبيض أي أعمال عنف أو ترويع ضد أي صحفي يغطي حملة 2016 سواء من أنصار مرشح، أو العاملين في الحملة أو أفراد الأمن. نتوقع أن يتفق كل المنافسين على أكبر منصب في البلاد على أن هذا غير مقبول».

لكن «ترامب» لم يدِن بقوة عنف أنصاره، بل يتغاضى عنه فيما يبدو، وصرح ذات مرة متحدثاً عن أحد المحتجين في اجتماع في فبراير الماضي «أردت أن أوجه أنا له لكمة». وعندما طُرح عليه سؤال في مناظرة لمتسابقي الحزب «الجمهوري» مساء الخميس الماضي عما إذا كان مسؤولاً عن أحدث عملية اعتداء في الاجتماع الانتخابي، عبر عما معناه أن المحتجين يستحقون ما حصل لهم. وقال: «لدينا بعض المحتجين السيئين الذين يقومون بأمور سيئة ويتعين إخراجهم، بصراحة». وملياردير العقارات يروج لمنهج سياسة القوة، وربما يدعم نهجه هذا مناخ الغلظة في اجتماعاته الانتخابية، فهو لا يعارض الهجرة غير الشرعية فحسب، بل سيمنعها تماماً بجدار مجاني تدفع المكسيك كلفته. والولايات المتحدة سوف تستحوذ على النفط في الشرق الأوسط لتمول عملياتها العسكرية في المنطقة. والدول التي «تضحك على حماقتنا» في التجارة سيجعلها تبكي، وخصومه ليسوا فقط على خطأ، بل جديرين بالازدراء، فهو يتهكم على منافسه السيناتور «ماركو روبيو» بأنه «ماركو الصغير»، ويصف منافسه «تيد كروز» بأنه «تيد الكاذب». وهذه ليست طريقة للخطاب السياسي، بل صيغة للخطاب المناهض للسياسة، وكما كتب ديفيد بروكس في عموده بصحيفة نيويورك تايمز الشهر الماضي فإن السياسة طريقة لحكم مجتمعات منقسمة دون عنف بغير داع. إنه نشاط مضطرب تمثل خيبة الأمل فيه أمراً طبيعياً. و«ترامب» يعد ناخبيه بأن أملهم لن يخيب. و«ترامب» في هذا الصدد ربما يمثل قمة صعود حركات تعارض أعراف التفاوض للتوصل لصفقات في واشنطن. و «حزب الشاي» هو أبرز مثال على مثل هذه الحركات بحسب كلام «بروكس»، لكن هذا ليس مقتصراً على اليمين من الطيف السياسي.

وكتب «بروكس» يقول: «إنهم في نهاية المطاف لا يعترفون بالآخرين. ويعانون من صيغة من النرجسية السياسية لا يقبلون فيها مشروعية المصالح والآراء الأخرى. ولا يعترفون بالقيود، بل يريدون انتصارات تامة لأنفسهم وعقيدتهم»، لكن الدعم الذي يحظى به ترامب واسع النطاق، ورغم أن كثيرين من أنصار ترامب من أصحاب الدخول المنخفضة والرجال البيض الأقل تعليماً، فإن أنصاره ينحدرون من جميع الأطياف السكانية من النساء مرتفعات الدخول في الضواحي إلى الأشخاص الذين يقولون إنهم «ديمقراطيون». فما الذي يوحد كل هؤلاء؟ هذا سؤال لم تتم الإجابة عنه بشكل قاطع بعد، لكن المرء قد يشتبه في أن السلطوية هي ما تجمع بين هؤلاء. ويرى علماء السياسة أن «السلطوية» سمة شخصية تتميز بالميل إلى حب النظام والخوف من الأجانب. وفي بعض الدراسات يسجل ناخبو «ترامب» درجات مرتفعة في اختبار السلطوية.

وذكرت الشرطة أن الشخص الذي وجه لكمة للمحتج اسمه «جون مكجرو»، وبعد هجومه على المحتج عاد إلى مقعده وحياه الآخرون. وفي مقطع مصور قال مكجرو إنه «استمتع بضرب هذا الفم الكبير... نحن لا نعرف من هو لكننا نعرف أنه لم يتصرف كأميركي... المرة التالية التي نراه فيها قد نضطر إلى قتله».

*رئيس تحرير «كريستيان ساينس مونيتور»

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا