• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

حكاية الصياد والجني

... فلما كانت الليلة الرابعة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 29 يناير 2015

قالت: بلغني أيها الملك السعيد أن الصياد لما قال للعفريت: لا أصدقك أبداً حتى أنظرك بعيني في القمقم، انتفض العفريت وصار دخاناً صاعداً إلى الجو.. ثم اجتمع ودخل في القمقم قليلاً.. قليلاً حتى استكمل الدخان داخل القمقم، وإذا بالصياد أسرع وأخذ السدادة الرصاص المختومة وسد بها فم القمقم، ونادى العفريت وقال له: تمنّ على أي موتة تموتها، لأرمينك في هذا البحر وأبني لي هنا بيتاً، وكل من أتى هنا أمنعه أن يصطاد، وأقول له: هنا عفريت. وكل من طلعه يبين له أنواع الموت ويخيره بينها، فلما سمع العفريت كلام الصياد أراد الخروج فلم يقدر، ورأى نفسه محبوساً ورأى عليه طبع خاتم سليمان.. وعلم أن الصياد سجنه في سجن أحقر العفاريت وأقذرها وأصغرها.. ثم إن الصياد ذهب بالقمقم إلى جهة البحر فقال له العفريت: لا.. لا.. فقال الصياد لابد، لابد، فلف المارد كلامه وخضع، وقال ما تريد أن تصنع بي يا صياد؟ قال: ألقيك في البحر. إن كنت أقمت فيه ألفاً وثمانمائة عام فأنا أجعلك تمكث فيه إلى أن تقوم الساعة، أما قلت لك: أبقني يبقك الله ولا تقتلني يقتلك الله فأبيت قولي، وما أردت إلا غدري، فألقاك الله في يدي فغدرت بك، فقال العفريت: افتح لي حتى أحسن إليك، فقال له الصياد تكذب ملعون، أنا مثلي ومثلك مثل وزير الملك يونان والحكيم رويان، فقال العفريت: وما شأن وزير الملك يونان والحكيم رويان وما قصتهما؟ فقال الصياد: إعلم أيها العفريت أنه كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان في مدينة الفرس وأرض رومان ملك يقال له الملك يونان. وكان ذا مال وجنود وبأس وأعوان من سائر الأجناس. وكان في جسده برص قد عجزت فيه الأطباء والحكماء ولم ينفعه منهم شرب أدوية ولا سفوف ولا دهان، ولم يقدر أحد من الأطباء أن يداويه. وكان قد دخل مدينة الملك يونان حكيم كبير طاعن في السن يقال له الحكيم رويان. وكان عارفاً بالكتب اليونانية والفارسية والرومية والعربية والسريانية وعلم الطب والنجوم وعالماً بأصول حكمتها وقواعد أمورها من منفعتها ومضرتها، وعالماً بخواص النباتات والحشائش والأعشاب المضرة والنافعة، قد عرف علم الفلاسفة وحاز جميع العلوم الطبية وغيرها.. ثم إن الحكيم لما دخل المدينة وأقام بها أياماً قلائل سمع خبر الملك وما جرى له في بدنه من البرص الذي ابتلاه الله به، وقد عجزت عن مداواته الأطباء وأهل العلوم، فلما بلغ ذلك الحكيم بات مشغولاً.. فلما أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح وسلمت الشمس على زين الملاح، لبس أفخر ثيابه ودخل على الملك يونان وقبل الأرض ودعى له بدوام العز والنعم، وأحسن ما به تكلم وأعلمه بنفسه، فقال: أيها الملك بلغني ما اعتراك من هذا الذي في جسدك وأن كثيراً من الأطباء لم يعرفوا الحيلة في زواله، وها أنا أداويك أيها الملك ولا أسقيك دواء ولا أدهنك بدهن، فلما سمع الملك يونان كلامه تعجب وقال له: كيف فعل فوالله إن أبرأتني أغنيك لولد الولد، وأنعم عليك وكل ما تتمناه فهو لك، وتكون نديمي وحبيبي.. ثم إنه خلع عليه وأحسن إليه، وقال له: أتبرئني من هذا المرض بلا دواء ولا دهان؟ قال: نعم أبريك بلا مشقة في جسدك. فتعجب الملك غاية العجب ثم قال له: أيها الحكيم الذي ذكرته لي يكون في أي الأوقات وفي أي الأيام، فأسرع به يا ولدي. قال له: سمعاً وطاعة ثم نزل من عند الملك واكترى له بيتاً وحط فيه كتبه وأدويته وعقاقيره ثم استخرج الأدوية والعقاقير وجعل منها صولجاناً وجوفه وعمل له قصبة، وصنع له كرة بمعرفته، فلما صنع الجميع وفرغ منها طلع إلى الملك في اليوم الثاني، ودخل عليه وقبل الأرض بين يديه، وأمره أن يركب إلى الميدان وأن يلعب بالكرة والصولجان. وكان معه الأمراء والحجاب والوزراء وأرباب الدولة، فما استقر به الجلوس في الميدان حتى دخل عليه الحكيم رويان وناوله الصولجان، وقال له: خذ هذا الصولجان واقبض عليه مثل هذه القبضة وامش في الميدان، واضرب به الكرة بقولتك حتى يعرق كفك وجسدك، فينفذ الدواء من كفك فيسري في سائر جسدك، فإذا فرغت وأثر الدواء فيك فارجع إلى قصرك وادخل بعد ذلك الحمام واغتسل ونم فقد برئت والسلام. فعند ذلك أخذ الملك يونان ذلك الصولجان من الحكيم وأمسكه بيده وركب الجواد، ورميت الكرة بين يديه وساق خلفها حتى لحقها وضربها بقوة وهو قابض بكفه على قصبة الصولجان، وما زال يضرب به الكرة حتى عرق كفه وسائر بدنه، وسرى له الدواء من القبضة وعرف الحكيم رويان أن الدواء سرى في جسده فأمره بالرجوع إلى قصره وأن يدخل الحمام من ساعته، فرجع الملك يونان من وقته، وأمر أن يخلوا له الحمام فأخلوه له، وتسارع الفراشون وتسابقت المماليك وأعدوا للملك قماشة ودخل الحمام واغتسل غسلاً جيداً، ولبس ثيابه داخل الحمام ثم خرج منه وركب إلى قصره ونام فيه.. هذا ما كان من أمر الملك يونان، وأما ما كان من أمر الحكيم رويان، فإنه رجع إلى داره وبات، فلما أصبح الصباح طلع إلى الملك واستأذن عليه فأذن له في الدخول فدخل، وقبل الأرض بين يديه وأشار إلى الملك بهذه الأبيات:

زهت الفصاحة إذ دعيت لها أبا

واذا دعت يوما سواك لها أبا

يا صاحب الوجه الذي أنواره

تمحو من الخطب الكريه غياهبا

ما زال وجهك مشرقاً متهللاً ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف