• الجمعة 03 ربيع الأول 1438هـ - 02 ديسمبر 2016م

ملعب المخيّلة ومسرح النقائض

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 29 يناير 2015

محمود الريماوي

استمعت أول ما استمعت إلى حكايات «ألف ليلة وليلة» من إذاعة القاهرة بصوت الممثلة زوزو نبيل التي تقوم بدور شهرزاد. كنت أتلمس، حينذاك مطلع ستينيات القرن العشرين الماضي وأنا في سن الثانية عشرة، طريقي إلى قراءة الأدب. ووجدت أن هذه الحكايات لا تختلف كثيرا عن حكايات جدتي عن الغيلان والمردة وبنات الملوك والشاطر حسن. ولما كنت قد فارقت حكايات الجدة إلى غير رجعة مع مفارقة الطفولة الأولى، فإني لم أصادف في ذات نفسي كبير اهتمام للعودة إلى تلك الحكايات ولو في قالب جديد.

منذ قبل أكثر من نصف قرن وأنا أعود بين آونة وأخرى لقراءة عشرات الحكايات من «ألف ليلة وليلة» بدواعٍ شتى، منها إزجاء الوقت بالتسلية والتسرية عن الذهن المكدود، ومنها التعرف على أجواء العصور الماضية من ألوان المعيش والملبس والمأكل والأثاث وألوان الترف، ومنها البصبصة في زمن المراهقة على الجواري الحسان وهن بلا حصر وبلا عدد في تلك الليالي، ومنها الوقوف على نسيج الحكايات ومبناها ومنطق توالدها وتكاثرها، وهو منطق قائم على الاستطراد وعلى توسيع اللجوء لمبدأ الشيء بالشيء يذكر في الانتقال من حكاية إلى أخرى بما يجعل الملك شهريار المستمع الأول لهذه الحكايات عاجزاً عن متابعتها بعدما أدركه الصباح، مرجئا الاستماع إلى الليلة التالية، وبما ينجي الحكاءة شهرزاد من القتل ويقرّبها إلى الملك إعمالاً للشرط الموضوع بأن تواصل الحكي، وإلا تلحق بعشرات النساء اللواتي صرعهن. وما زلتُ أتقلب على قراءة هذه الحكايات كلما واتتني الرغبة بمفارقة زماننا والانتقال إلى زمن آخر شرقي يكاد يبذ زماننا في ترف كبار القوم، وفي كلفهم بالشعر والأدب والمنادمة ومأثور الكلام، وفي تقريب النساء والجواري والغلمان بما يضاهي صورة الانحلال التي ننعت بها الغرب هذه الأيام.

قراءتان

ثمة متعة أكيدة وعظيمة تورثها هذه الليالي لقارئها أو مستمعها، بيد أنها لا تمُتّ بصورة مباشرة إلى متعة القراءة الفنية للشعر الجاهلي والأموي والعباسي، أو مقاربة أيام العرب وتواريخهم، إذ إن الليالي بما تشتمل عليه من خوارق ومغامرات واستحضار الجن والعفاريت واستنطاق الحيوانات وأنسنتها، هي أقرب إلى الفن الخام وثمرات المخيال الشعبي الجمعية والشفاهية، الذي تمتزج فيه أمثولات البراءة بالولع بالأساطير الغيبية بالشغف بالاستيهامات حيال عالم الترف والبهارج، ولهذا ولع الغربيون بالليالي أكثر من الشرقيين، فقد رأوا فيها صورة لحياة لم يخبروها، في الحقب ذاتها «القرنان الثالث عشر والرابع عشر الميلاديان على ما يجمع متتبعو وضع الليالي». أما الشرقيون وبالذات العرب الذين وقفوا على مجونيات أبي نواس وسواه، وعلى أحوال خلافة العباسيين وبالذات هارون الرشيد، فإنهم إذ يقرؤون الليالي فهم يستعيدون شيئا من ذواتهم المكتومة، وطفولة تاريخهم، من دون أن يقعوا على مفاجأة كبيرة فيما يقرؤون، وإن كانت القراءة تشحنهم بالانفعال وهم يقارنون حالهم بأحوال أسلافهم ممن كانوا يرفعون الحواجز بين الرجال والنساء.

إلى ذلك فالليالي في قوامها الرؤيوي تنطوي على قيم وعظية على الطريقة الشرقية، تجمع بين أخذ الدنيا بما فيها من متع وملذات وفرص، وبين أخذ العبر من خاتم الأشياء: هادم أو هازم اللذات ومُفرّق الجماعات (الموت)، أو ترديد عبارة تأتي بصورة متواترة في العديد من الحكايات مثل: اعلموا أن حديثي غريب وأمري عجيب لو كتب بالإبر على آماق البصر لكان عبرة لمن اعتبر. وفي واقع الحال فإن الوقوف على تعاليم الدين والاحتكام اللفظي إلى هذه التعاليم يمشي لدى خلفاء الليالي ووزرائها وأعيانها وكبار تجارها جنباً إلى جنب، مع الاستغراق بملذات الطعام والشراب والوصال والطرب وأبهة الإقامة في القصور الفارهة واقتناء الجواهر والنفائس.

ومع الوعظ ثمة التعليم والتثقيف القائم على اكتساب الشعر وترديده، فالجواري شأنهن شأن الشعراء والندماء في المجالس يلهجن بالشعر بلا توقف، حتى ليحسب القارئ أو السامع أنهن لا ينطقن بنثر إلا بما ندر، ويحتكمن إليه باعتباره أداة الثقافة ومخزنها، وعلى نحو تمحي فيه الفوارق بينهن وبين الندماء في الاطلاع على الشعر وحسن توظيفه واستخدامه، وفي إحدى الحكايات التي تحمل اسم «أنس الوجود» فإن هذا البطل لم يجد ما ينجيه من سبع في الفلاة (أسد في البرية) سوى أن يلقي على مسامع الحيوان المفترس بعضاً من أبيات الشعر. «فلما فرغ من شعره قام الأسد ومشى نحوه بلطف وعيناه مغرغرتان بالدموع، ولما وصل إليه لحسه بلسانه ومشى أمامه وأشار إليه أن اتبعني ولم يزل سائراً وهو معه ساعة من الزمان حتى طلع به فوق جبل، ثم نزل به من فوق ذلك الجبل فرأى أثر المشي في البراري فعرف أن ذلك الأثر أثر مشي قوم بالورد في الأكمام فتبع الأثر ومشى فيه، فلما رآه الأسد يتبع الأثر وعرف أنه أثر مشي محبوبته رجع الأسد إلى حال سبيله». الأسد تأثر بالشعر العربي أيما تأثر، وعرف ما يستغوره أنس الوجود من حاجة فقاده إلى قصر من امتلكت فؤاده!. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف