• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

كتاب الأرض وله ثلاث أرواح

حكاية معتقلة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 29 يناير 2015

عبدالرزاق بوكبة

لم أكتشفْ كتاب/ كتب «ألف ليلة وليلة» تحت ضغط سلطته في النقد والمجالس والإعلام، فهو من الكتب التي تملك سلطة ضاغطة تدفع الناس إلى البحث عنها وشرائها أو استعارتها، فيجدون أنفسهم قد وقعوا في سلطة النص/ السحر، تؤدي بهم إلى سلطة ثالثة أسميها سلطة التبشير بالنص، وهو بهذه الأرواح/ السلطة الثلاث يشبه الكتب المقدسة، لا من حيث الانتماء إلى السماء، بل من حيث الجذب والانبهار والولع بالحديث عنه. إنه كتاب الأرض بامتياز، وهو تخلق حكاياتها/ أساطيرها.

اكتشفته صدفة في النصف الثاني من ثمانينيات القرن العشرين، وأنا في عز الطفولة والعزلة، في قرية جزائرية موغلة في الفطرة. لا كهرباء. لا طريق معبدا. لا معلبات. لا جرائد ولا مكتب بريد، لم تكن إلا الحكاية التي تمنح الجدة سلطة خاصة، وتتوجها سيدة على الليل والأسماع. أي أن كتاب الحكاية الأول «ألف ليلة وليلة» دخل عالمي وأنا مدجج بروح الحكاية.

كانت قرية «أولاد جحيش» في الشرق الجزائري عام 1967 قد قررت أن تبني جامعَها، منفصلة عن قرية مجاورة كانت تملك جامعا، وقد تكفل بمصاريف البناء والتأثيث عمال القرية المهاجرون في فرنسا. ولا أدري إلى غاية اليوم، من الذي أرسل من فرنسا، تشكيلة الكتب التي شكلت مكتبة الجامع. مصاحفُ وكتب ليس موضعَها في العادة مكتبات الجوامع. كتاب «الأمالي» لأبي علي القالي، وكتاب «كليلة ودمنة» لعبد الله بن المقفع، وكتاب «العقد الفريد» لابن عبد ربه، وكتاب/ كتب «ألف ليلة ولية».

مكتبة خاصة جداً

كان عمري اثني عشر عاماً، حين شرعت في التهام هذه المكتبة. كنت أترك الأشغال كلها وأهرب إليها، وهو ما كان سبباً في أن أحظى بوجباتٍ سمينة من الضرب من طرف الجد والأب، إذ كانا يرفضان أن أترك الحقل أو المرعى، وأنزوي في الجامع لأقرأ كتباً أكبر من سني. هنا لابد من الإشارة إلى أن السكان كانوا يعاملون هذه الكتب على أنها مقدسة، ويقسمون عليها عند النزاعات، فهم لا يقرؤون ولا يكتبون، ويرون أن كل مكتوب هو قرآن عظيم.

مازلت إلى غاية اليوم، أتذكر تلك الرهبة التي كنت أشعر بها، وأنا أفتح الباب الخشبي للجامع، فيحدث صوتاً يحفر في الروح. مازلت أذكر أصابعي وهي تزرقّ من البرد، وأنا عاكف على القراءة. مازلت أسمع صوت الجوع، وأنا أفضل إكمال الكتاب على العودة إلى البيت لأنال لقمة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف