• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

السلطان لا يزال مضطجعاً وسيّافه مسرور ما يزال واقفاً بالباب

الحكي تحت نصل السيف

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 29 يناير 2015

هشام البستاني

شيءٌ ما لم أستسغه أبداً يكمن في اضطجاعة ذلك الرجل/ الطفل صاحب السلطة القادر على القتل المتسلسل البارد، مستمعاً إلى امرأة أذكى منه وأوسع مُخيّلةً تُلقي عليه الحكاية تلو الحكاية لتؤجِّل موتها. كنت أتخيّله في أجواء كتلك التي حفلت بها اللوحات الاستشراقيّة: أجواء الاسترخاء على مخدّات باذخة ناعمة؛ نساء لا حصر لهنّ ممتلئات يلبسن ما يشفّ عن ثمارهنّ الناضجات؛ وفي الخلفية حرّاسٌ أشداء بسيوف معقوفة.

الرجل/ الطفل المضطجع ذو العمامة على رأسه (عليها جوهرة نادرة في منتصف وجهها الأمامي لا بدّ، وترتفع فوقها ريشة طاووس) يُقهقه بيسر على شيء أَضحكه: طرفة ظريفة مرّت في الحكاية؛ أو يُفنجر عينيه مُتعجّباً غير مُصدّق من أين ظهر ذلك الكائن العجيب؛ أو يطلب من المرأة أن تُعيد من البداية علّه يستعيد نشوة الاستماع الأول. أما حين يَحرد الرجل/الطفل ويملّ اللعبة، فسيقطع رأسها، وتُستكمل التسلية بلعبة أخرى.

رغم أن الرجل/ الطفل هو هامش الحكاية لا متنها، إلا أن اضطجاعته المرتاحة تلك كانت تنقله دوماً إلى المركز، وكل ليلة تمرّ هي تأكيد على سلطانه وقوّته؛ كلّ ليلة تمرّ هي تأكيد على سطوته؛ كل ليلة تمرّ تقول بلا مواربة أن الحياة مجرّد هبة من السلطان لا غير، عرض لإطفاء نزقه وتأجيل ملله، وجبة -مختلفة كل مرة- لإشباع نهمه الممتد بلا نهاية، وعُقدهِ النفسيّة.

ألف جثة وجثةفي فيلم الصور المتحرّكة القصير العبقري المسمى «Fallen Art» لتوماس باجنسكي، نشاهد جندياً يُلقى من فوق منصة مرتفعة ليَلقى حتفه ارتطاماً بالأرض من أجل تسلية الجنرال. وتأثير التسلية مؤقت، لحظيّ، مثل نشوة المخدّر، وخطورة التسلية/ النشوة تكمن في القاع الذي سيلي القمة لا محالة: ذلك القاع بحاجة لجثة أخرى، فيُلقى جنديٌّ آخر، وآخر، وترقص الجثث في وضعيّات سقطتها الأخيرة من أجل عيني الجنرال المرهقتين الملولتين، فيضيء الطفل فيهما ويبدأ بالرقص. الفيلم هو حكاية ألف جثة وجثة: كل جنديّ تحطّم وانفرش دمه على الأرض حكاية، كل موت حكاية، كل ليلة حكاية، كل ليلة موت، موت هو جزء من سلسلة تشهد على نزق السلطان/ الجنرال/ الرجل/ الطفل، وعجز محيطه من الأذكياء إلا عن تلبية رغباته، أي انخراطهم المباشر والانتهازيّ في الفظاعات. أذكى الأذكياء هو من يحتال ليؤجّل موته إلى حين، والأذكى منه هو من يتحوّل تدريجياً إلى جرعة المخدّر التي لا بدّ منها؛ عندها فقط سيستمرّ بالحياة.

«Fallen Art» هو الهيكل الأساسي لـ«ألف ليلة وليلة»، بعد إزالة كل الحشوات والاستطرادات التخيّلية العظيمة التي لا وظيفة لها سوى تعزيز سياق الهامش/ السلطان، وإثبات مركزيّته الموارِبة؛ وحتى لا تتحوّل الراوية إلى جثة أخرى، عليها أن تصنع بديلاً عن الجثث الراقصة بتسليةٍ تأخذ شكل حكايات، وعلى الحكايات أن تكون مثيرة، اكزوتيكية، ايروتيكية، غرائبية، تُرضي فيتيشيّات السلطان واستيهاماته. هكذا تبقى الراوية عذراء إلى الأبد: امكانية مستمرة للافتضاض، ومن ثم الموت.

حين شاهدت فيلم بيير باولو بازوليني «Arabian Nights» للمرّة الأولى، تعجّبت أنْ كيف لمخرجٍ كبيرٍ أن يسقط في فخّ الاستشراق والمنظورات الاستشراقية بهذه السهولة، لكني الآن صرت أكثر تفهّماً لخياراته من باب نجاحه في جرّ «ألف ليلة وليلة» إلى منبعها الأصلي، فكل الاستيهامات الجنسية والايروتيكية التي يشتغل عليها وتشتغل عليها الحكاية الأصل، هي في صميم عقل مُنشئها/مُتلقيها الأساسيّ والأول: السلطان ذاته. أما تطرّفها وانحلالها وساديّتها فهي تعبير عن انحلال وساديّة السلطة التي تتحوّل إلى تطبيق كل استيهامتها على «عبيدها» متى استتبّت لها الهيمنة الكاملة عليهم، وهو ما اشتغل عليه بازوليني نفسه في فيلم آخر هو « Salò, or the 120 Days of Sodom». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف