• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

ما يشبه الشهادة

نزهة المشتاق

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 29 يناير 2015

سعد القرش

من بين بضع إشارات لأعمال تمثل الثقافة العربية في «دليل القارئ إلى الثقافة الجادة» (الطبعة 23، ترجمة أحمد عمر شاهين 2002)، تأتي «ألف ليلة وليلة الشهيرة بالليالي العربية». إشارة تتجاهل إنجازات السرد لأحفاد شهرزاد وحفيداتها، على مدى أكثر من قرن، تقابلها مبالغة في الحفاوة بما قدمه أحفاد سرفانتس.

«ألف ليلة وليلة» نص كوني، إنساني النزعة، أعظم ثراء من ظاهر حكاياته، وأكثر اتساعا من جغرافيا وقائعه. نص يتجاوز لغته وزمنه، ويكتسب حياة متجددة مع كل قارئ. اكتمل النص بطباعته في صيغته، أو صيغه، المنشورة. وأتاح لقارئه حق الانتفاع بحديقة سردية كاملة المرافق والثمار، يمد يده فاتحا أي صفحة، ويبدأ الرحلة من أي ليلة، فيجد نفسه داخل نسيج الحكاية، تأخذه جرأة شهرزاد على كسر هيبة اللغة التقليدية فتصير طيعة في عذوبة الغناء، ويتورط مع أبطال «الليالي»، بتنوع ألسنتهم وألوانهم وأديانهم وثقافاتهم وسردهم نثرا وشعرا، ويغرق في زخم من عادات وطقوس وأمثال، ومعارف وفلسفات وخلاصة حكمة فتحت إليها شهرزاد طريقا يضل فيه الغرباء، أو كما جاء في الليلة الثالثة والأربعين: «الغرباء مساكين وإن كانوا أمراء في بلادهم»، ومن يفقد الألفة مع شهرزاد، ولا يتخذ مكان شهريار، فلن يكون أميرا مع راوية أخرى.

خوف الاقتراب

يفتن النص أجيالا من الباحثين والنقاد، نقرأ دراساتهم فنعيد اكتشاف جماليات السرد، بما يصل لدرجة اتهام المبدعين بالتقصير والإهمال، ليس تقصيرا وإهمالا بل تفاديا للاقتراب من عمل شامخ في رسوخه، لا يسمح للجديد بأن يظهر ويزهو بنفسه، سيبتلعه نص شهرزاد، فيبدو العمل الحديث مشهدا، تفصيلة عابرة على هامش «الليالي» التي ضمنت لنفسها حياة لا تنقطع، ففي كل عمل سردي عربي حداثي تجريبي شيء من «الليالي» التي لم تترك شيئا إلا أحاطت به، وإذا اغتربت عن أهلها فتنت قارئها الأجنبي، فنعيد اكتشاف أسرار «الليالي» عبر الترجمة، لنرى ليالينا قد ردت إلينا، ويعترف جارسيا ماركيز باستلهامها، في مسمى جديد، جاذب هذه المرة، أكثر إغراء للمترجمين والنقاد والمبدعين، وهم يرددون مصطلح «الواقعية السحرية».

قليلون يملكون جرأة إبداء الشجاعة في الاعتراف باستلهام الليالي. نهض مشروع الروائي المصري خيري عبدالجواد (1960 ـ 2008)، لغة وبناء، على التماهي مع «الليالي»، استنادا إلى موهبة أصيلة لا يخشى معها الهزيمة. هزمت شهرزاد كثيرين فآثروا السلامة، وأنكروا التأثر، وتمردوا تمرد خائف لا يجيد امتلاك الأداة. كان خيري عبدالجواد يعرف أين يقف، وكيف يقبض على الحكاية، مستعيرا أحيانا ـ بثقة الموهبة وأصالتها ـ جملا من مفتتح «الليالي» أو ختامها، منذ مجموعته القصصية الأولى «حكايات الديب رماح» 1988، ثم روايته «كتاب التوهمات». هناك بعض التماس يمكن ملاحظته في أعمال مبدعين آخرين مثل الروائي المغربي الميلودي شغموم. وأغرت شهرزاد شعراء منهم المصري محمود قرني فكتب قصيدة ـ ديوانا عنوانه «لعنات مشرقية» 2012. يتحاور الديوان ـ القصيدة، عبر 43 مقطعا، مع الليلة 371 وما بعدها، «حكاية أنس الوجود مع الورد في الأكمام»، وكيف أبعدوا ابنة الوزير إبراهيم عن أنس الوجود، فبدأ البحث عنها، في رحلة أقرب إلى تيه أوديسيوس.

الهروب من طريق شهرزاد حيلة، تعفي السارد الجديد خطر أن تبسط «الليالي» ظلها على السرد، ولكنه وإن حاول تجنب أي تماس معها، فلن يخلو من روح شهرزاد، تلك التي سرت في لا وعي الإبداع، وعبرت الأزمنة، وتناسلت نصوصا غرائبية، أو تسربت إلى نسيج الحكايات. اكشط بعض السطور، تجد شيئا من «الليالي»، سحرا باذخا يثير الخيال القادر على جعل النصف الأسفل من جسد شاب حجرا، بفعل سحر زوجته، ودفع الحصان للطيران بغير أجنحة ترونها، وغير ذلك من ضروب الأخيلة التي ما زالت تفتن السينما الأمريكية. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف