• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

أدب الخيال العلمي لم يزدهر في الغرب إلا بعدها

الخيال إذا تجلّى و... جمح!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 29 يناير 2015

ميسلون هادي

أكثر ما استوقفني في ألف ليلة وليلة هو اكتشافي أن الكثير من قصص الأطفال، التي نظنها من كلاسيكيات هذا الأدب في الغرب، كقطر الندى وبيتر بان وسندريلا وغيرها، موجودة جذورها في ألف ليلة وليلة، حتى إني تساءلت مع نفسي كيف تعتبر هذه القصص من التراث الاوربي، وهي موجودة في حكايات ألف ليلة وليلة، أو مأخوذة ومقتبسة عنها؟ ليس هذا فحسب، وإنما هناك خوارق وخرافات أخرى من حكايات الليالي العربية يمكن أن تكون قد شكلت نوى لأدب الخيال العلمي.

يمكن القول إن أدب الخيال العلمي في الغرب لم يزدهر إلا بعد «ألف ليلة وليلة» بعدة قرون. ويمكن الإشارة إلى بعض الخوارق بكثير من الدهشة والعجب، وكيف تم تخيّلها في عصر لم تكن فيه عجائب التكنولوجيا ووسائل الإتصالات وفنونها قد عُرفت بعدُ على أرض الواقع.

خوارق الليالي

كثيرة جداً هي الخوارق التي ورد ذكرها في «ألف ليلة وليلة»، منها على سبيل المثال طاقية الإخفاء التي يعثر عليها حسن البصري، وفرس الأبنوس الذي يطير بالأميرة مرجة بين بلاد فارس وصنعاء اليمن وبلاد الروم، والفارس المصنوع من النحاس الذي يحرس مدينة الموتى، ويتحرك باللوالب للإشارة إلى الاتجاه الصحيح، والسرير الطائر الذي يعود بعلاء الدين وزوجتيه ياسمين ومريم من روما إلى مصر بعد أسره من قبل الروم وجعله يخدم في الكنيسة مدة عشرين سنة. والقصة الأخيرة تحديداً لربما استفاد منها أمين المعلوف في روايته التاريخية «ليون الأفريقي» حين يجعل بطلها المسلم حسن محمد الوزان يتأسر على يد بحارة صقليين في عرض البحر، وهو في طريق عودته من حج بيت الله الحرام، فيقدمونه هدية إلى البابا ليون العاشر في روما حيث يعمده باسم جان – ليون الأفريقي ويلازم تلك المدينة عشرين سنة لحين سقوطها.

كذلك فإن الكثير من الخوارق والمستحيلات التي نراها الآن على الشاشة في أفلام الرعب والخيال العلمي كانت بذورها موجودة في حكايات «ألف ليلة وليلة»، وظهرت في تلك الحكايات على شكل مخلوقات أسطورية ينتمي بعضها إلى الأنس وأخرى إلى الجن وأخرى جسدها خيال الكاتب، أو مجموعة الكتاب، على شكل غيلان، وطيور متوحشة، ونملات بحجم الكلاب، وفواكه تبكي، وحجارة تمغنط، وأزهار تضيء، وحيّات تتكلم، وجبال من البلور، ومسافات أطوالها بعشرات السنين، ومخلوقات أطوال أذنابها بمسافة عشرين سنة، وبشر ينقسمون إلى أنصاف، كل نصف منها يمشي في اتجاه، وعماليق رؤوسهم في السحاب وأقدامهم تحت التراب، ورؤوس بلا أبدان، وأبدان بلا رؤوس، وأقوام تطير، وأشجار أغصانها تشبه رؤوس بني آدم، فإذا طلعت الشمس تصبح تلك الرؤوس جميعاً تقول في صيحاتها واق واق.. سبحان الملك الخلاق. أما ثيمة عشبة الخلود فتملك دوراً تشويقياً وتوجيهياً فيما ترويه شهرزاد للملك السعيد في بعض ليالي ألف ليلة وليلة، ومثلما يرتبط الرمز الصيدلاني الحديث للترياق بسم الثعبان الذي تستخرج منه الكثير من العلاجات، فقد كانت عشبة الخلود هذه، ترتبط فيما مضى، بالأفعى التي تغير جلدها كلما ضاق عليها، فكان ذلك يوحي ويدل على قابليتها للتجدد وامتلاك الشباب الدائم، ويعبر باختصار عن إمكانيتها للبقاء الأبدي. ولهذا فإن ملكة الحيات هي التي يمكن الاستدلال منها على الجبل الذي توجد فيه عشبة الخلود. ولكن الذي يتحايل على ملكة الحيات، في بعض الحكايات التي ترويها شهرزاد، لا يعرف بأمر عشبة الخلود هذه، وإنما كان يريد منها أن تدله على عشبة أخرى يدهن بها قدمه لكي لا تبتل، وبالتالي لا يغرق إذا ما سار فوق الماء. ولهذا يجعل ملكة الحيات تشرب من كأس الخمر، ويضعها، بعد أن تنام، في القفص. التوتر اللازم لهذا النوع من الحكايات يتواصل كل ليلة قبل أن يدرك شهرزاد الصباح فتسكت عن الكلام المباح، ولكنه ينتهي بخذلان من يطمع بمراد مستحيل ليس من حقه، وإدراكه للخطأ الجسيم بعد فوات الأوان. فعندما تعود ملكة الحيات إلى الجزيرة التي كانت فيها، ويفتح لها باب القفص، تقول لمن سارا بها أياماً وليالي في رحلة طويلة من الأهوال والمشاق، بأنهما قد أخذا العشبة التي لن تنفعهما في شيء، وتركا العشب الذي كل من أكل منه لا يموت إلى النفخة الأولى، وتقصد عشبة الخلود.

جنّ وعفاريتزخرت «ألف ليلة وليلة» أيضاً بقصص الجن والعفاريت، بعضهم شرير والآخر طيب، وأشهر تلك العفاريت وأكثرها كرماً وأريحية هو عفريب (أبو السعادات) الذي ينقذ (معروف الإسكافي) من ورطة مؤكدة بعد أن يجيء هذا الأخير من مصر إلى بغداد هرباً من زوجته، ويتزوج من ابنة الملك زاعماً أنه تاجر غني من أصحاب الأموال والذخائر والمجوهرات، ولكن أمره ينكشف بعد حين فيهرب من بطش الملك ويلوذ بمدينة قريبة يعثر فيها على خاتم عجيب فيغتني ويرجع مرفوع الراس من جديد بفضل العفريت (أبو السعادات).

هذا العفريت شأنه شأن كل عفاريت «ألف ليلة وليلة» يقضي في محبسه عقوبة أبدية يفرضها عليه النبي سليمان عليه السلام لعنةً وغضباً، ولكن ما أن يتنفس هذا العفريت هواء الحرية مرة أخرى على يد محظوظ، حتى يبادر إلى التوبة ووضع كل خدماته طوع بنان الشخص الذي يفرك الخاتم وينقذه من محبسه، فيقول له «شبّيك لبّيك.. عبدك بين إيديك»، ثم يفتح له مغاليق الخزائن، ويبني له القصور في لمح البصر، ويحوّل الأعوان إلى خيل وعربات ومماليك، والتراب إلى جواهر وفضة وذهب.

خلاصة القول أن كتاب «ألف ليلة وليلة» يزخر بأروع صور الخيال الجامح، وأعجب ما يمكن للإنسان أن يفكر فيه من غرائب وخرافات صيغت في قصص وحكايات أسطورية تجري أحداثها في بغداد والبصرة وبلاد فارس وبلاد الروم والصين والهند والحبشة وبلدان أخرى مجاورة لبلاد العرب. أما استباقها لعصرها وأوانها فلم يكن إلا تعبيراً عن حالة الرخاء التي عاشتها أجواء الفكر والثقافة في موطنها الأصلي بغداد حيث شهدت حواريها وشواطئ دجلة المكان الافتراضي الذي دارت فيه الكثير من تلك الحكايات.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف