• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

«داعش» منتصرة منذ ألف سنة وليست بنت البارحة!

العرب.. والبراكين التراثية!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 29 يناير 2015

هاشم صالح

هذه المهزلة لن تنتهي بسهولة أيها السادة. يخطئ من يظن أنها قصة عابرة يمكن حلها بترقيعات سياسية سطحية من هنا أو من هناك. إنها قصة القصص، معضلة المعضلات. إنها قصة التنوير الإسلامي لا أكثر ولا أقل: أي قصة مليار ونصف المليار شخص. إنها ليست مزحة! منذ ثلاثين سنة وأنا أردد هذا الكلام دون أي كلل أو ملل! ومع ذلك فان بشاعة الخلافة السوداء التي لا يعرف أحد كيف خرجت مؤخراً من أعماق التاريخ وكهوفه المظلمة تجبرني على تكرار ذات الكلام، وإن بصياغة أخرى أو مع بعض الإضافات الجديدة في كل مرة.

لا أزال أتذكر كيف كان بعضهم – حتى في قلب باريس! – يستهزئ بهذه الأبحاث المتركزة على التنوير الأوروبي من فولتير إلى ديدرو وروسو والموسوعيين. كانوا يعتبرونها مضيعة للوقت؛ لأن هذا الرجل الجاهل يريد إعادتنا قرنين إلى الوراء! وهم وصلوا إلى عصر الحداثة أو حتى ما بعد الحداثة. هل يعقل أن نعود بالمجتمعات العربية والإسلامية إلى القرن الثامن عشر؟ لماذا يشتمنا هذا الرجل؟ لماذا يشتم شعوبنا؟ لماذا يزعم أن المجتمع الفرنسي أو الألماني أو الإنجليزي أكثر استنارة وتقدما من المجتمع الأفغاني أو الباكستاني أو العربي أو التركي أو الإيراني؟ ما هذه الحماقة! لا أحد أفضل من أحد. فقط كل شعب له خصوصيته.

نحن في الظلمة

هل نعيش نحن كعرب وكمسلمين في القرن الحادي والعشرين أم في القرن الثامن عشر؟ ويحكم أفلا تفقهون! وأنا أقول لهم إنهم لا يعيشون في القرن الثامن عشر الأوروبي، يا ليت! ولا حتى في القرن السادس عشر عصر النهضة بامتياز. يا ليت ويا ليت! في أي عصر يعيشون إذن؟ هل في القرن الثالث عشر مثلا؟ ولا حتى في هذا أيضا لأن النهضة الأوروبية الأولى كانت قد انطلقت والشرارة الأولى قد اندلعت بعد أن ترجموا علماء العرب وفلاسفتهم. في أي عصر نعيش إذن أيها العبقري؟ بالله قل لنا واهدنا فقد نفد صبرنا أو كاد. إنكم تعيشون أيها السادة الكرام في عصر «داعش»: أي في عصر الظلمات المطبقة أو ظلمات الظلمات. إنكم تعيشون في الفترة المحصورة بين القرنين الخامس والعاشر للميلاد، بحسب التحقيب الأوروبي: أي حيث كان الظلام الدامس عاماً شاملاً. عندما أسمع بأن المسيحيين هُجروا من الموصل مذعورين بعد أن خيروا بين الجزية وحد السيف لا أرى جواباً غير هذا الجواب. سامحونا. أعرف أن هذا الكلام سوف يجرح عنترياتكم الفارغة، وأعرف أنكم ستكابرون، ولكن هذه هي الحقيقة. قد يقول قائل: ولكن كلامك هذا لا ينطبق على كل المسلمين، وإنما فقط على الجماعات المتطرفة. وأجيب متراجعاً ومهزوماً على الأقل ظاهرياً: هذا صحيح لحسن الحظ. ولكن كم هو عدد المتعاطفين سرا مع هذه الجماعات؟ البعض يقول إن النسبة تبلغ تسعين في المائة في بعض المجتمعات المحافظة والمنغلقة. هنا أشعر بالقلق وأرتجف هلعاً وخوفاً. ولكن حتى خارجها نتساءل: كم هو حجم الحاضنة الشعبية التي تحتضنهم؟ هل تعتقدون أنها قليلة أو ضعيفة ليس فقط في سوريا والعراق، وإنما في كل أنحاء العالم العربي والإسلامي.

المناصرونكان فيلسوف التنوير الأكبر ايمانويل كانط يقول بخصوص التنوير والثورة الفرنسية ما معناه: ليس المهم فقط من قام بالثورة وشارك فيها فعلياً وضحى بنفسه من أجلها. المهم أيضاً وربما أكثر أولئك المشاهدون المتحمسون الذين كانوا معجبين بها أو متعاطفين معها ومحبين لها. وعددهم بالملايين. هؤلاء هم حاضنة الثورة والأفكار الجديدة ولولاهم لما انتصرت الثورة الفرنسية. وأنا أقول على نفس المنوال ولكن بشكل معكوس: ليس المهم عدد قوات «داعش»، التي لا تتجاوز بضعة آلاف على أكثر تقدير. وإنما المهم حجم التعاطف الشعبي الذي تحظى به سرا أو علانية من قبل الملايين أو ملايين الملايين كما ذكرنا. يكفي أن نلقي نظرة على «الفيسبوك» وشبكات التواصل الاجتماعي، حيث يُلقى الحبل على غاربه لكي ندرك ذلك. يكفي أن ننظر إلى حجم الإدانات الخجولة وأكاد أقول من رؤوس الشفاه – حتى من قبل بعض المثقفين – لها ولتصرفاتها الإجرامية لكي نفهم أن المسألة جدية. أما عن رجال الدين فحدث ولا حرج: الإدانات نادرة أو شبه معدومة. انهم ضمنيا يؤيدون «داعش» في ذبحها الوحشي للأيزيديين. لماذا؟ لأنهم يشاركون «داعش» ذات الاعتقاد بأن الأيزيديين فرقة مرتدة عن الإسلام بل ومن عبدة الشيطان! وبالتالي فيحل ذبحها دون نقاش. وهذا ما يحصل بالضبط. وليس صحيحا أنهم خيروهم بين الدخول في «الإسلام» أو القتل كما تزعم بعض الجرائد العربية البائسة. انهم لم يخيروهم وإنما قتلوهم وسبوا نساءهم وروّعوهم. نقطة على السطر.

إقصاءميزة «داعش» أنها تقول علنا ما يفكر فيه الآخرون سراً: إنها بكل بساطة سوف تقتل كل من لا ينتمي إلى «فرقتها الناجية». ومعلوم أنه بحسب منظور القرون الوسطى، فلا يمكن أن توجد إلا فرقة واحدة ناجية وكل الفرق الباقية في النار. ولكن يستحسن أن نستأصلها ونتخلص من رجسها ونجسها منذ الآن دون انتظار يوم القيامة في العالم الآخر. بيانات «داعش» بهذا الخصوص واضحة كل الوضوح. إنها تنتمي إلى خط المذهب الحنبلي والاعتقاد القادري الذي كفر المعتزلة وأباح دمهم قبل ألف سنة بالضبط (1017). ومعلوم أنه قرئ في جوامع بغداد بأمر من الخليفة العباسي القادر بالله. ولذلك يدعى بنص الاعتقاد القادري نسبة إليه. لحسن حظهم فإن المعتزلة انقرضوا بعد انتصار الحنابلة وإلا لكانت «داعش» قد أبادتهم عن بكرة أبيهم. فإسلامهم بلا عقل، بلا بصيص نور! انتصار الإسلام الحنبلي على الإسلام المعتزلي بعد المتوكل شكل أكبر كارثة في تاريخ الإسلام. وهي كارثة لم نقم منها حتى الآن. ثم تلتها مباشرة كارثة ثانية هي تكفير الفلسفة والفلاسفة على يد الغزالي وبقية الفقهاء. ضربتان متتاليتان على الرأس كانتا كافيتين لإخراج العالم العربي والإسلامي كله من التاريخ. ومعلوم أن من أولى القرارات التي اتخذتها «داعش» في «إمارة الرقة» السورية تحريم الفلسفة والعلوم الطبيعية! على هذا النحو تمت تصفية الفكر العقلاني المسؤول في الإسلام. وهي تصفية متواصلة على مدار ألف سنة! «داعش» تنتمي إلى خط ابن حنبل وابن تيمية وابن عبد الوهاب وأنت نازل حتى تصل إلى جماعة الإخوان المسلمين وكل الحركات الإرهابية التكفيرية التي خرجت من رحمها في العصر الحديث. إنها وهابية قحة. والإخوان الوهابيون استباحوا العراق سابقا مرتين وبقروا بطون الحوامل لكيلا تلد كفارا وفعلوا من الفظائع ما لا يستطيع القلم ذكره. ومع ذلك يخرج عليك بعض المثقفين أو أشباه المثقفين العرب ويقولون لك مكابرين: نحن تجاوزنا مرحلة التنوير أو لسنا بحاجة إليها! فلا تكسر رأسنا بهذه القصة واشغل نفسك بشيء آخر. فقد ابتدأ كلامك يزعجنا ويضرب على نافوخنا! لا أعرف معنى كلمة «نافوخ» هنا. ولكن ابحثوا عنها في القاموس تجدوها، وإن لم تجدوها فاعلموا أنها عامية محلية تعني نفاد الصبر والانزعاج إلى أقصى حد ممكن.

باختصار شديد: لا يستطيع أي شخص في العالم أن يقنعني بأن الشعوب الإسلامية عربية كانت أم غير عربية قد هضمت كل الثورات العلمية والفلسفية التنويرية التي تعاقبت على أوروبا منذ أربعة قرون وحتى الآن. هذا شيء واضح وضوح الشمس. وانه لمن العيب أن أضيع وقتي فيه!. لهذا السبب أقول: أيها السيدات والسادة لن نخرج من هذه القصة قبل وقت طويل. أنها قصة القصص، مشكلة المشاكل. إنها كل أعماقنا التراثية وهي تنفجر في وجوهنا دفعة واحدة. وبالتالي فلن نخرج منها قبل أن تتعرض «ثقافتنا العميقة» لذات العملية النقدية التفكيكية التي تعرضت لها الأصولية المسيحية في الغرب على يد فلاسفة الأنوار ومن جاء بعدهم في القرنين التاسع عشر والعشرين. وهي الثقافة الغيبية التراثية المهيمنة على المدارس والجوامع والجامعات والبيوت والعائلات والفضائيات بل وحتى على الماء والهواء الذي نتنفسه! هنا تكمن معركة المعارك، أم المعارك، أكررها للمرة الألف دون أي كلل أو ملل. لن يبقى حرف أو فاصلة أو نقطة في التراث الإسلامي، إلا وستتعرض للمساءلة والمناقشة والغربلة لمعرفة من أين جاءت وكيف تشكلت تاريخيا ومتى. وهنيئا لمن يعيش كفاية لكي يشهد ذلك الحدث الزلزال: إشراقة الأنوار الفلسفية على العالم الإسلامي وإضاءته من أعماق أعماقه وشفائه من ذاته: أي من مرض عضال. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

تخلف عريقنحن متخلفون عن القرن الثامن أو التاسع الميلادي، بحسب التحقيب العربي لتاريخ الفكر: أي العصر الذهبي. ففيه كانت تجري مناقشات فكرية ودينية جريئة جدا في بغداد. وهي مناقشات تستعصي علينا اليوم في عواصم العرب وفي أوائل القرن الحادي والعشرين. يقال إنه عندما كانت تجري مناظرات بين المسلمين من جهة والمسيحيين أو اليهود من جهة أخرى، فإن هؤلاء الأخيرين كانوا يشترطون على المسلمين عدم الاحتجاج بالقرآن والسنة، وأن تقتصر المناظرة على المحاجات المنطقية العقلانية. وكان المسلمون يقبلون بطيبة خاطر. كانوا واثقين من علمهم وفلسفتهم واطلاعهم على المصطلحات الفلسفية السائدة في ذلك الزمان. ولذا فاني أقول لكم دون أي استفزاز: نحن لسنا متخلفين فقط عن التنوير الأوروبي وإنما أيضا ًعن التنوير العربي الإسلامي. ومعلوم أن تنويرنا سبق تنويرهم بستة قرون على الأقل. ولكنه سرعان ما انطفأ بعد تكفير المعتزلة والفلاسفة وانتصار أسلاف «داعش» الأشاوس.

مكر التاريخ«داعش» منتصرة منذ ألف سنة وليست بنت البارحة! انظروا إلى برامج التعليم الدينية في الدول المحافظة، بل وحتى في الدول الأكثر انفتاحاً. وبالتالي فالسؤال المطروح هو التالي: في أي عصر نعيش نحن يا ترى؟ أقصد في أي عصر معرفي ابيستمولوجي؟ وأجيب في العصر الظلامي العربي. نقطة على السطر. إنه العصر الذي تنفجر فيه كل البراكين التراثية من أعماق أعماقنا دفعة واحدة. هذا هو معنى «داعش». وهو انفجار شرعي وضروري من وجهة نظر فلسفة التاريخ. لماذا؟ لأنه لا يمكن يمكن التوصل إلى الحداثة والاستنارة إلا بعد المرور بـ«داعش» وتصفية الحسابات التاريخية معها. لهذا السبب أكاد أشكر «داعش»! من يصدق ذلك؟! فهي ستسرع من حركة التاريخ في الاتجاه المضاد، في الاتجاه الصحيح، على عكس ما نتوهم. وهنا يكمن مكر التاريخ أو مكر العقل في التاريخ. فالتاريخ قد يستخدم أبشع البشاعات لكي تتقزز الناس منها وتندفع في الاتجاه المستنير المعاكس لظلامياتها. أبدا لن يسلك المسلمون، بعد «داعش»، المسلك القذر نفسه. سوف يتعقمون منها بها ويتداوون إلى الأبد. ولكن ما أكبر الثمن الباهظ المدفوع! ما أعظم فجيعة الأيزيديين والمسيحيين التي أنحني أمامها هنا. فدماؤهم هي وقود التاريخ. إنها الحطب الذي سيحرك عجلة التاريخ إلى الأمام. وبالتالي ففضلهم علينا عظيم. وتضحياتهم لن تذهب سدى. لذلك ينبغي على كل شخص يحب العدالة والحقيقة أن يساعدهم ويواسيهم بقدر ما يستطيع. انهم يموتون، يُفجعون بأطفالهم ونسائهم، لكي نحيا نحن ثم بشكل أخص لكي ينتصر التنوير كرد فعل عكسي على ظلاميات «داعش». هذا هو معنى اللحظة المصيرية التي نعيشها حالياً: أقصد معناها الفلسفي العميق. إنها تمثل أكبر حلكة إظلامية في تاريخنا: أقصد حلكة الحلكات أو ظلمة الظلمات التي تسبق مباشرة فلق الصبح!

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف