• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

واقعية وعجائبية المحكي في «ألف ليلة وليلة»

الروائي وحكايات شهرزاد.. فتنة الحكي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 29 يناير 2015

محمد عز الدين التازي

تشكل «ألف ليلة وليلة» موقعا هاما من ذاكرتي القرائية، فقد قرأتها بأجزائها الأربعة، في تلك الأوراق الصفراء، في منتصف الستينات وأنا تلميذ في الثانوي، مكتشفا عوالمها الحكائية ومستمتعا بسحر محكياتها ومتأملا لطرائقها في السرد

بموازاة تلك القراءة، للنص المكتوب لـ «ألف ليلة وليلة»، الذي قرأته، كنت أرتاد «الحلقات» التي تُعقد خارج أسوار مدينة فاس، في «باب بوجلود» و «باب الساكمة» القريبين من الحي الذي كنت أسكنه، كما كنت أنتقل مشيا لأكثر من نصف ساعة إلى خارج «باب الفتوح» وأنا أحمل في ذاتي رغبة حميمة في أن أصغي إلى السارد (الحْلاَيْقِي) وهو من يسرد حكايات «ألف ليلة وليلة»، والجمهور يتابعه باهتمام. كلما طاب الجو في أماسي الربيع والصيف وبداية الخريف، وخارج الأسوار المحيطة بمدينة فاس، كان ثمة طقس خاص، حكائي، يتجدد كل يوم، في الأماسي، وهو بمثابة احتفال بالحكاية ورواتها. في ذلك الطقس أو الاحتفال تَشَرَّبْتُ طرائق السرد، وفي تلك المرحلة من بداية الستينات، كتبت قصصي القصيرة الأولى ونشرتها وأنا تلميذ في الثانوي.

قلت إنني كنت قد قرأت «ألف ليلة وليلة» في بداية الستينات من القرن الماضي وأنا تلميذ بالثانوي، وكان في مرحلة التلمذة تلك أن اضطرتني الحاجة المادية إلى بيع تلك النسخ الأربع من «ألف ليلة وليلة» لوراق في حوانيت الوراقة التي كانت تُقابل سور جامع القرويين. استغربت أن عرضت على الوراق الأجزاء الأربعة، ولما رآها تلقفها من يدي وأعطاني ثمنا أكثر من الثمن الذي اشتريتها به. لم يبارحني ذلك الاستغراب إلا في بداية السبعينات، عندما التحقت بكلية الآداب، فعاد إلي الحنين إلى قراءة ألف ليلة وليلة، واشتريت وقتها طبعة لبنانية عصرية مجلدة، فلما رآها أستاذي وصديقي محمد برادة في مكتبتي أخبرني بأن هذه الطبعة مبتسرة، حذف منها الكثير، وقد تدخل الرقيب في حذف الكثير من المشاهد واللحظات والمواقف ليجيز بعد ذلك نشرها على النحو المبتسر الذي أراده. سألت أستاذي محمد برادة: وأين هي الطبعة الأصلية؟ قال إنها هي طبعة بولاق، ذات الأوراق الصفراء. هتفت: تلك هي الطبعة التي كنت أتوفر عليها وقد بعتها للوراق.

أخبرني بأن ثمن تلك الطبعة خيالي، لأنها هي الطبعة الكاملة، وساعتها عرفت لماذا تهافت الوراق على شراء الكتاب فقدم لي ثمنا أزيد من الثمن الذي اشتريته به. تحسرت لكوني كنت أتوفر على الطبعة الأصلية وفقدتها، ولم تكن حسرتي على قيمتها المادية، بل على كونها هي النص الكامل.

وليكن، فقد مرت السنون وسحر عوالم «ألف ليلة وليلة» ما زال يرافقني إلى اليوم وأنا أستعيد من ذاكرتي القرائية بعض تفاصيل محكياتها وبعض مكونات شخصياتها وفضاءاتها. وكان أن أصبحت «ألف ليلة وليلة»، زادا حكائيا أتزود به كلما احتجت إلى لحظة من لحظات الجنوح التي تتألق فيها بعض النصوص المؤثرة على حياتي الثقافية والإبداعية.

«الحلقة» وسحر الحكاية ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف