• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

الرديف الورقي العالي لبرج بابل!

كتابُ العالم

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 29 يناير 2015

إلياس فركوح

(1)

كلّما خطرت لي حكاية ما من حكايات «ألف ليلة وليلة»، خاصة تلك الذاهبة في المناخات الكائنة خلف الأبواب، حيث العوالم «السحرية المرغوبة والإيروتيكية» – مقارنة بكلّ جلافة هذه الواقعية التي نعيش وأرضها الشوكية الجارحة حدّ القتل –؛ تراني أقفز للاستنتاج التالي: أوَلَم تكن تتحلّى بالقِيَم والمُثُل الأخلاقية، تلك المجتمعات التي تخلقت فيها مجمل كتابات «ألف ليلة وليلة»؟ أكانت مجتمعات متفلتة من ضوابط الأعراف والتقاليد؟ أو أنها خَلَت من أديان رسمت لأتباعها دروب الهداية للوصول إلى مرضاة الله و أنواره– بصرف النظر عن الماهيات التي اتصف بها وفقاً لاختلاف ثقافات مَن كتبوا وزادوا وأضافوا؟

أنظرُ إلى مجلدات «الكتاب» الأربعة مرصوصة بـ «احترام» فوق الرفّ الخشبي في خزانة مكتبتي، ويولدُ في أعماقي تساؤلي إنْ كانت ثمّة «رقابة» حَزَّت أطراف حكايات «الكتاب» وقطعت أوصالها، لتتلاءم وذهنية تلك الأزمان السائدة؟ ألم يكن لديهم رجال من فئة «قاضي القضاة» مثلاً، أو صِنف «رقيب الدولة»، يتصدون لـ «هكذا فُحْش وإباحية»، ليعملوا على إصدار فتاوى بالتحريم وإنزال العقوبات القصوى بـ «مرتكبي» كلّ مَن أطلق لخياله العنان فكتبَ، واستمتعَ، وأمْتَعَ، وخَلَّدَ عوالمَ ما تزال البشريّة، بمختلف ثقافاتها، القديمة والحديثة، تقتات على بَذَخ المخيلة/ المخيلات التي تفتقت عنها؟

في هذا الزمن الموبوء بالتباس الفضيلة بالخطيئة داخل فراشٍ واحد، الخالط للإيمان بالكراهية كوجهين لعملة رائجة قيد التداول اليومي، المتقنِّع بالتديُّن لإخفاء جَهالة التعصُّب والتكفير المجّاني والترويج للشخص «الداعية»/ النجم بحسب متطلبات السوق؛ في هذا الزمن العربي السابح خارج مدارات التاريخ واللحظة، كيف لواحد مثلي أن لا يعتبر «ألف ليلة وليلة» أنموذجاً فريداً للحرية؟ الحرية للأفراد في إطلاق مخيلتهم، والحرية للجماعات في تلقي ذلك والتفاعل معه، والحرية للثقافات في مزج عناصرها المتباينة دون إحساس بالدونيّة. نعم؛ فإنْ تُكتب كل تلك الحكايات، وعلى النحو المتعدد الكاشف عن مدى تقبُّل – لا بل تلاقُح والبناء على والتكملة -؛ فما هذا سوى علامة فارقة في التاريخ: ليس في تاريخ الكتابة وحسب؛ إنها علامة فارقة تشير إلى تشارُك كُتّاب مجهولي الأسماء والأمصار – وكذلك «الجندر» (أليست شهرزاد، الحكّاءة كالفيض، أنثى؟) في سَطْر سِفْرٍ هَرَمي البناء (حجر فوق حجر فوق حجر) يشهد على إمكانية أن نكون مؤتلفين مؤلِفين رغم أننا متباينون متباعدون في اللغات وعناصر الثقافة/ الحضارة.

ربما لهذا السبب تحديداً أرى إلى «ألف ليلة وليلة» أنها الرديف الورقي العالي لبرج بابل!

مع فارق أنّ عناصر البرج نهشتها الأيام وحتَّت رياحُها من تماسكه تماماً، بينما حكايات «الكتاب» – أو الكتاب نفسه، بالأحرى – يتجدد في ولاداته المتكررة كلّما تقادمت عليه الأيام والعصور! ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف