• الأحد 28 ربيع الأول 1439هـ - 17 ديسمبر 2017م

الطريق إلى هرجيسا

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 11 مارس 2007

من مطار جيبوتي بدأت فصول هذه الرحلة الغريبة والخطيرة، من شرفة قاعة الترانزيت كنتُ أُتابع هبوط طائرة ركاب تابعة لشركة بريطانية، وبدأ ركابها في النزول، و قد كانوا من صوماليي الشتات، وعرفت أن رحلة الطائرة انطلقت من لندن مروراً بباريس، ولما حشروا معي في تلك القاعة شاهدت أحد رجال الأمن يقوم بتصوير جوازات سفرهم، وقد كانوا يحملون جنسيات بريطانية ونرويجية وهولندية وفرنسية، المهم أنهم قد أصبحوا رعايا أوروبيين بشعور جارف نحو هرجيسا وبرعو. عندما هبطوا من الطائرة التي أقلتهم من الأصقاع الأوروبية وهي تلمع نظافة، كانوا يتدثرون بملابس ثقيلة اتقاء صقيع المناطق التي قدموا منها، فلما باغتهم حر جيبوتي بدأوا في التخلص من ملابسهم الثقيلة، دون أن يدرون وأنا معهم ماذا ينتظرنا في الطائرة التي ستقلنا إلى هرجيسا، ولم نكن قد رأيناها قبل، فقد كانت منزوية في ركن من ذلك المطار الذي يشهد نشاطاً عسكرياً للولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين في الحرب على الإرهاب.

عندما وصلنا للطائرة التي باعت لنا تذاكرها شركة ''دالو'' أصبت بصدمة لمنظرها الخارجي الذي لا يحمل أي علامات أو شعارات تدل على هويتها وقد صبغت باللونين الأبيض والأخضر اللذين بهتا وتقشرا من على هيكلها، كان بقايا الزيت المحروق ''تنز'' من الأجزاء المتحركة لأجنحتها، وإطارات الطائرة الروسية الصنع ذات المراوح الرثة، ولكن المشهد داخل الطائرة الممزقة الأحشاء كان أكثر إيلاماً ورائحة نفاذة تنبعث من داخلها هي أقرب لروائح الزرائب، وسرعان ما تطوع مسافر بمعلومة عن استخدام هذه الطائرة في نقل الأغنام الحية في مواسم التجارة وتراجع حركة البشر، مما أصاب النفوس ''بالقرف'' لا سيما صومالية نرويجية متأنقة بالكامل هبطت لتوها من الطائرة الأوروبية، كانت مضيفة أوكرانية شمطاء بملامح عسكرية صارمة تصيح بالركاب أن اجلسوا في مقاعدكم غير المرقمة، واربطوا أحزمة السلامة، وعندما يبلغها البعض بأن مقعده بلا حزام، تشيح بوجهها العابس وهي تتمتم بكلمات ربما كانت تستمطر فيها اللعنات على جورباتشوف الذي مزقهم ببروسترويكته شر ممزق وجعلها تلاحق رائحة الدولار حتى في طائرات الأغنام!. كانت الدقائق تمر ثقيلة بطيئة والطائرة العجوز تابى التحرك، والركاب الذين كانوا قبل لحظات في كامل زينتهم بدأوا يغرقون في بحر من العرق وصراخ الأطفال، كانت الشنط الصغيرة والمتوسطة الحجم توضع في كل مكان، وقائد الطائرة الذي بدا كأنه من المسرحين من الخدمة في الجيش الأحمر، يصعد ويهبط بتوتر ومن خلفه يسير أوكراني ضخم الجثة كأنه مصارع، وبعد لحظات صعد الأخير وسحب سلماً حديدياً مخصص لباب الطاقم، سحبه وأغلقه بقوة بعد أن ثبت السلم الحديدي قرب كرسي متحرك لأحد المرضى من كبار السن الذي أشفقت عليه من رحلة العذاب هذه والعرق الغزيز يتصبب من الجميع، بعد ثلاث مرات من الدخول والخروج من قمرة الطائرة كان الأوكراني الضخم ينظر من الزجاج ليبلغ القائد العجوز، وبعد التأكد من جودة أسلاك خرجت من أحشاء الطبقة الداخلية لمقصورة الركاب بدأت الطائرة التي لم نعرف طرازها أو عمرها تتدحرج على الممر، لحظات وإذا نحن في الجو وهدير المراوح يصم الآذان مع زعيق الرضع وصرير باب خلفي ينغلق بقوة مع كل ارتجاج للطائرة المنهكة، تحليقها لم يساعد في إرسال أي نسمات باردة تهدىء الصغار والنسوة قبل الكبار، بل بالعكس انشغل الركاب الذين كانوا يتلهفون للهواء بمسح قطرات الماء التي كانت تنهمر من فتحات المكيف البائس، بينما كانت المضيفة توزع شربات الماء على الركاب العطشى. من حسن الحظ أن الرحلة من جيبوتي إلى هرجيسا لم تستغرق أكثر من 35 دقيقة، بدت لي دهراً، وعندما ارتطمت عجلات الطائرة العجوز بأرض المطار وهي تهبط مزمجرة، حمدت الله كثيراً ودعوت بالسلامة للركاب الذين كانوا سيواصلون رحلتهم لساعتين أخريين معها نحو وجهتهم التالية للجنوب الصومالي، الحق كل الحق على السلطات التي تسمح باستقبال طائرات مثل هذه، ومن ناحيتي أدعوا سلطات الطيران المدني في الإمارات إلى منع بيع تذاكر هذه الشركة التي يتساوى عندها نقل البشر والأعنام!!.