• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

«فضل الله» رأى ضرورة استناد العمل السياسي إلى مرتكزين: القرآن الكريم وتوجيهات القيادة الصالحة، واعترف مبكراً بتعددية القيادة الدينية والسياسية للعالم الإسلامي، وقال إن الجهاد وسيلة وليس غايةً بذاته

مبادئ العلاقات الدولية في خطاب «فضل الله»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 30 أكتوبر 2015

رغبة منه في تفكيك الطرائق المعقدة والدقيقة التي تسمح للنص المقدس (القرآن الكريم) بالتغلغل في الخطاب السياسي للإسلاميين واستيعابها، يحاول سامي إميل بارودي، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية ببيروت، دراسة خطاب محمد حسين فضل الله (توفي 2010) وتحليل آرائه بشأن العلاقات الدولية، خاصة المبادئ الناظمة لهذه العلاقات، وطبيعة النظام العالمي الراهن، والعلاقة بين الغرب والعالم الإسلامي. ويبرر المؤلف اهتمامه بآراء فضل الله انطلاقاً من مؤلفاته الكثيرة والمثيرة للاهتمام، ومكانته كمرجعية دينية (شيعية)، واحتلاله موقع المدافع عن حوار الثقافات والحضارات، وأخيراً استعارته الكثير من التعابير القرآنية لتعضيد أفكاره وحججه.

ويتضمن الكتاب لمحة عن السيرة الذاتية لفضل الله، المولود عام 1935 لأبوين لبنانيين في مدينة النجف العراقية، حيث تلقى دراسته الدينية رفقة علماء شيعة مشهورين، لكن استقراره في لبنان بداية من عام 1966 مثّل منعطفاً رئيسياً في مساره الفكري متعدد الجوانب، حيث مثلت الطائفة الشيعية في منطقة النبعة بيئة حاضنة لتعاليمه التي مزجت بين الحض على التقوى والنشاط السياسي والاجتماعي. لكنه اضطر للنزوح من النبعة عقب اجتياحها من ميليشيات مسيحية، واستقر في الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث أصبح الوكيل الحصري لأستاذه السابق أبو القاسم الخوئي. ورغم ترحيبه بالثورة الإيرانية عام 1979 واعترافه بسلطة الخميني فيما يخص القضايا السياسية، فقد واصل تقليد الخوئي في القضايا الدينية والفقهية حتى وفاة الأخير عام 1992. وبينما واصل «حزب الله»، الذي كرّس نفسه بين شيعة لبنان، اتباع مرجعية الخميني (ثم خامنئي)، وأعلن فضل الله عن نفسه كمرجعية شيعية عام 1995، فإن مواقف الطرفين بشأن لبنان والولايات المتحدة وعملية السلام في الشرق الأوسط وتصوراتهما للعلاقات الدولية، لم تتباعد كثيراً. وكما يقول المؤلف، فإن فضل الله لم يضن على الحزب بالدعم الخطابي والإلهام والإرشاد الاستراتيجي، سواء خلال سنوات التكوين والنشوء، أو أثناء حرب يوليو التي سدت فجوات الخلاف بينهما، حيث أثنى على «ثبات» الحزب واحتفل معه بـ«النصر الإلهي».

وبالعودة إلى خطاب فضل الله متمثلاً في مؤلفاته الكثيرة، يحاول بارودي استخلاص المبادئ الحاكمة لمواقف المرجع الشيعي الراحل في العلاقات الدولية، إذ يَنظر لهذه العلاقات كصراع مستمر بين الساعين في سبيل الله وإلى إقامة العدل في الأرض وبين قوى الاستبداد والاستكبار والقهر، ويحث المسلمين على محاربة أعدائهم عندما تهدد قوى الظلم والاستبداد أراضيهم أو مصالحهم الحيوية. كما يؤكد فضل الله على مركزية القوة في العلاقات الدولية ويدعو المسلمين إلى نبذ الضعف والاستكانة باعتبارهما جالبين للعدوان والظلم، علاوة على ضرورة استناد العمل السياسي إلى مرتكزي القرآن الكريم وتوجيهات القيادة الصالحة. وهنا يلاحظ المؤلف اعترافاً مبكراً من فضل الله بتعددية القيادة الدينية والسياسية للعالم الإسلامي. بيد أن فضل الله ينتقد «الوطنية الضيقة» معتقداً أنها تضعف الإحساس بالوحدة بين المسلمين، وفيما يخص الجهاد الذي خصص له كتاباً بهذا العنوان، يقول إنه وسيلة لتحقيق غاية معينة وليس غايةً بحد ذاته.

وإلى ذلك يخصص فضل الله قسطاً وافراً من خطابه للأبعاد السياسية والاقتصادية والثقافية للصراع مع الغرب، ويرى أنه صراع متعدد الجوانب وطويل الأمد. ويحدد بارودي أربعة دوائر تلتقي في خطاب فضل الله: خطاب الإسلاميين، وخطاب الكتاب القوميين العرب العلمانيين، وخطاب الواقعيين المسيحيين، والخطاب المناهض للهيمنة.

محمد ولد المنى

*الكتاب: وجهات نظر إسلامية في شأن العلاقات الدولية.. خطاب السيد محمد حسين فضل الله المؤلف: سامي إميل بارودي

الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية

تاريخ النشر: 2014

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا