• الخميس 25 ربيع الأول 1439هـ - 14 ديسمبر 2017م

ثمرات (همُّ الحقيقة) و(الحداثة كحاجة دينية)

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 10 مارس 2007

رسول محمد رسول:

ضمن سلسلة ''منشورات الاختلاف'' صدر عن الدار العربية للعلوم في بيروت كتاب الفيلسوف الفرنسي الراحل ميشال فوكو (همُّ الحقيقة)، الذي يبدو أنه ضم مجموعة من النصوص الفلسفية التي كتبها فوكو خلال حياته. ومن المعلوم أنه مرت حقبة كبرى من الفلسفة المعاصرة، حقبة سارتر وميرلوبونتي، حيث كان على نص فلسفي، أو أي نص نظري ما، أن يعطيك، في النهاية، معنى الحياة والموت، ومعنى الحياة الجنسية، ويقول لكَ ما تكون الحرية؟ وما ينبغي عمله في الحياة السياسية؟ وكيف تتصرَّف مع الآخرين؟ وغيرها من الأسئلة.

لقد تكوّن لدينا انطباع بأنه لم يعد ممكناً اليوم ترويج مثل هذه الفلسفة، وبأن الفلسفة قد تكون في حال تشتت إن لم تكن قد تبخرت فعلاً، وبأن ثمة عملاً نظرياً يغلب عليه، بشكل أو بآخر، طابع التعدُّد. وهكذا فالنظرية والنشاط الفلسفي يظهران في ميادين مختلفة تبدو وكأنها منفصلة عن بعضها البعض؛ فهناك نشاط نظري يظهر في مجال ميدان الأسطورة أو في ميدان تاريخ الديانات أو في ميدان التاريخ عامة. وفي هذا النوع من تعدُّد العمل النظري إنما تكتمل، في النهاية، فلسفة لم تجد بعد مفكرها الوحيد وخطابها الموحِّد.

ليس دور المثقف هو أن يقول للآخرين ماذا يتعين عليهم فعله، وبأي حق سيفعل ذلك؟ تذكروا كل النبوءات والوعود والأوامر والبرامج التي كان للمثقفين أن يصوغوها خلال القرنين الأخيرين، والتي رأينا الآن آثارها، ليس عمل المثقف هو أن يشكِّل الإرادة السياسية للآخرين؛ وإنما يكمن عمله في التحاليل التي يقوم بها لميادين هي ميادينه، وفي إعادة مساءلة البديهيات والمسلمات، وزعزعة العادات وطرق العمل والتفكير، كما يكمن في تبديد الأمور المألوفة المقبولة، وإعادة النظر في القواعد والمؤسسات؛ مع المساهمة، انطلاقا من عملية إعادة الأشكلة هذه، التي يؤدي فيها وظيفته النوعية باعتباره مثقفاً، في تشكيل إرادة سياسية، عليه أن يلعب فيها دوره كمواطن.

وضمن سلسلة ''آفاق'' صدر عن الدار نفسها كتاب (الحداثة كحاجة دينية) لمؤلفه الباحث السعودي الدكتور توفيق السيف. يبدو الكتاب رافعة على شكل حوار بين عقلين غرضها المساهمة في توضيح السؤال الذي حسبه المؤلف أكثر الأسئلة إثارة للحرج في ثقافتنا الدينية المعاصرة، وهو كيف ينهض المسلمون من سباتهم المزمن؟ وكيف يعودون إلى قطار الحضارة بعد ما نزلوا أو أنزلوا منه؟ نقول وبحسب تعبير الدكتور السيف إنها مرافعة وليست بحثاً علمياً؛ فهي سلسلة من التساؤلات يتلو كل منها ما يشبه الجواب، لكنه جواب مؤقت، إذ لا يلبث أن يثير سؤالاً آخر يتلوه جواب أولي وهكذا. فالغرض إذن ليس تقديم أجوبة نهائية بقدر ما هي أسئلة. في ظني إن جواب سؤال النهضة ليس من نوع الأجوبة التي نقرؤها عادة في الكتب، فنهضة الأمم تبدأ بولادة روحية النهضة، وروحية النهضة هي في المقام الأول استيعاب شعوري للواقع الذي يعيشه الإنسان وتعيشه الجماعة، يتلوه تأمُّل الخارج، أي تساؤلات متواصلة عن موضوع النهضة، وبحث عن كيفياتها وسبلها ومراحلها وحاجاتها.