• الخميس 25 ربيع الأول 1439هـ - 14 ديسمبر 2017م

الصومال متاهة الحروب و مؤتمرات المصالحة

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 10 مارس 2007

هذه واحدة من أغرب الرحلات التي قمت بها إلى منطقة تعد أكثر مناطق القارة الأفريقية اضطرابا، منطقة لم تعرف طعم الاستقرار أو السلام على امتداد العقود الأربعة الماضية. وبالتالي لم تدرك التنمية ، مما جعلها في حالة سيئة من التخلف والفقر والأمية. قطعت خلال هذه الرحلة قرابة 13000 كيلومتر عبر الأجواء، غرابة الرحلة تكمن أيضا في صعوبات الاتصال والتنقل في عصر أصبح العالم فيه قرية كونية صغيرة، ولعل عدم الإحساس بقيمة الوقت من أهم بصمات التخلف التي طبعت سلوك الإنسان في هذه البقاع المنسية وصراعاتها الأزلية. وغرابة الرحلة التي تستعد لها بعدد من التطعيمات ضد أمراض انقرضت في بقية أصقاع الأرض، تكمن أيضا في الاستغراب الذي ارتسم على وجه موظفة الحجز في مكتب الطيران في أبوظبي، وهي تبحث عن مطارات ومحطات لم تسمع بها ربما من قبل!!.لنبدأ الرحلة من المحطة الأخيرة، ونستعيدها معا.

كنت بمعية صديق في فندق هيلتون أديس أبابا عندما اتصل بالسفير الصومالي لدى إثيوبيا عبدالكريم فارح، وأبلغه بوجودي ورغبتي في لقائه، أبدى الرجل ترحيبا واستعدادا للحضور إلينا مجرد ان ينتهي من الحلاق الذي أسلم له رأسه ، واجتماع سريع في مقر الاتحاد الأفريقي، وبالفعل جاءنا وهو يرتدي ملابس رياضية، وبعد تعارف سريع استأذننا منصرفا بعد أن زودني برقم الهاتف النقال لزميله السفير الصومالي في نيروبي واسمه محمد علي الملقب بـ ''أميركا''، فهنأت نفسي على هذه المعرفة ممنيا النفس بإنجاز مهمتي طالما ان '' أميركا'' طرف فيها.

بمجرد وصولي للعاصمة الكينية نيروبي هاتفت الرجل الذي رد علي بعد جهد جهيد استنفد صبري، ولكن سرعان ما استعدت نصيحة صديق ''انك في حضرة أفريقيا حيث الإحساس بالزمن مفقود مفقود'' . ورد علي'' أميركا'' أخيرا، وعندما عرف أنني أريد لقاء رئيس الوزراء الصومالي علي محمد قيدي، قال انه سيعود من باريس بعد مشاركته في القمة الأفريقية الفرنسية عن طريق دبي. وبعد يومين من الانتظار عرفت بوصول قيدي من مصدر آخر وبأنه سيحضر اجتماعا صباح اليوم التالي مع ممثلين من الأمم المتحدة وسفراء عرب وأجانب في فندق نورفوك.

دعوة على الغذاء

في التاسعة من صباح ذلك اليوم كنت عند مدخل الفندق الذي يعود تشييده إلى مئة عام خلت ، وشهد قبل نحو ربع قرن تفجيرا استهدفه من قبل إحدى المنظمات الفلسطينية لأنه كان مملوكا لرجل أعمال إسرائيلي ويستقبل العديد من الأفواج السياحية الإسرائيلية، وقد أصبح اليوم ضمن الامبراطورية الفندقية للأمير الوليد بن طلال. بعد تأخير نصف ساعة حضر قيدي ومعه مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون الصومال رئيس الوزراء ووزير الخارجية الغيني السابق فرانسو لونسيني فال. وقفت مرابطا عند باب مقر الاجتماع ، وبعد ان انفض خرجت مع قيدي الذي ذكرته بأول لقاء لي معه بأبوظبي في نوفمبر.2005 طلب مني البقاء حتى ينتهي من اجتماع جانبي آخر عقده مع بعض المسؤولين الأوروبيين في زاوية جانبية بالقرب من مدخل الفندق اقترحها على عجل السفير ''أميركا''. وكنت أيضا جالسا على بعد خطوات منهم. انف0ض الاجتماع الثاني ليطلب مني قيدي هذه المرة ان نلتقي على الغداء في فندق آخر هو فندق ''ريجنسي فيو'' وقد تأخر كثيرا وعرفت من بعض مرافقيه ان توجه لاجتماع بمقر السفارة الأميركية في نيروبي الذي يقع في ضواحي المدينة، وهو عبارة عن قلعة محصنة انتقلت إليها السفارة بعد التفجير الذي تعرضت إليه مع نظيرتها في دار السلام العام.2001 وأخيرا حضر وتوجه إلى الطابق الثاني عشر من الفندق الذي يقيم فيه الرئيس الجديد للبرلمان الصومالي الذي كنت قد التقيته في اليوم السابق.وبعد اجتماع ليس بالقصير نزل الرجلان ومرافقوهما، وتوجهنا الى المطعم الإيطالي بالفندق ، الذي اختير لإرضاء قيدي المعروف بتذوقه للطعام الإيطالي منذ سنوات دراسته هناك التي تخرج منها طبيبا بيطريا. وبعد الغداء الإيطالي الدسم الذي أعقبته جلسة شاي في طابق الميزانين أبلغني قيدي بأنه لا يستطيع إجراء أي حوار لأنه مرهق وجدوله مزدحم. رغم كل الوقت الذي انتظرته، وحاولت ان ألتمس له عذرا. فالرجل كان محرجا من الهجوم الذي شنه في اليوم السابق نائبه حسن ابشر على الأمم المتحدة واتهمها فيه بعرقلة جهود المصالحة الصومالية التي أصبحت بمثابة ''تجارة'' للمنظمة الدولية كما قال ابشر، وهاهو قيدي يجتمع بهم اليوم، ليس ذلك فحسب بل ان صوماليي كينيا يتحدثون عن شراء قيدي فيللا الزعيم السوداني الراحل جون قرنق في نيروبي بما لا يقل عن مليوني دولار وتسجيلها باسم قريب ليعيد تأجيرها للأمم المتحدة التي خصصتها بدورها مقرا لإقامة قيدي نفسه أثناء تواجده في المدينة التي أصبحت معبرا للمسؤولين الصوماليين في طريقهم من وإلى مقر الحكومة الانتقالية في بيداوا. وهذا الاتهام الصومالي للأمم المتحدة يعكس تعلق الصوماليين بنظرية المؤامرة وهم يعتبرون المنظمة الدولية خصما الى جانب كينيا التي يقولون انها استفادت كثيرا من تردي أوضاع بلادهم، وعندما يتعلق الأمر بالعرب يكيلون الاتهامات لمصر ويعتبرونها المسؤولة عن عدم دعم العرب لهم في رحلة التيه الصومالي المتواصل منذ أكثر من 16عاما وعشرات مؤتمرات المصالحة الوطنية! ... المزيد