• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

التقليد اﻷعمى

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 14 مارس 2016

نعيشُ اليوم معركة البقاء، فإما أن نكون أو لا نكون، والأقوى هو المتحكم في مجريات الحياة، والمسيطر فيها وهو الآمر الناهي، والآخرون منقادون منصاعون مستسلمون خاضعون له لا يسعهم إلا التقليد والتبعية، وهو حال المفلسين عقائدياً وفكرياً وثقافياً وسياسياً وتاريخياً، في زمن لا يرحم القوي فيه الضعيف ولا الغني الفقير، فأين نحن العرب من هذه المعركة، وأين موقعنا في مجريات الأحداث؟ أما آن الأوان أن تكون لنا شخصيةٌ وقوة وأثر في العالم كما كنا من قبل، ونكون قادةً لا مُنقادين أم أن التقليد الأعمى أصبح سجيةً لا مناص منها يُوَرِثُها الآباء للأبناء؟

هناك فرقٌ شاسعٌ بين التقليد الأعمى واتخاذ القدوة، فالأول اقتفاء أثر بلا وعي ولا تقدير للنتائج كما فعل كفار قريش في اتباعهم لمنهج آبائِهم ورفضهم للإسلام، أما الثاني فهو اقتفاء أثر بوعي وبتقديرٍ للنتائج كما فعل مسلمو مكة والمدينة بدخولهم الإسلام بقناعةٍ ودِراية واتخاذ النبي محمد صلى الله عليه وسلم قدوة لهم في كل صغيرةٍ وكبيرة، هنا يتجلى الفرقُ جلياً بين التقليدُ الأعمى واتخاذ القدوة، إذ ليس مهماً أن تتبع أثر شخص لكن السؤال من هو هذا الشخص؟

إن التقليد الأعمى سببه الإفلاس فكرياً وثقافياً وتاريخياً، فأصحابه يبحثون عن مُتَنَفَسٍ لهم وبُقعةٍ تطأُ فيها أقدامهم فلا يجدون طريقةً إلا تقليد غيرهم والانتماءِ إليهم والسيرِ على نهجهم واتبعاهم في كل صغيرةٍ وكبيرةٍ، فيصبحون تابعين لهم، يُتَحَكَمُ بهم، وتُغرسُ فيهم ثقافاتٌ خارجية عنهم وتتعارض مع معتقداتهم وتاريخهم لِتتأَصلَ فيهم الهشاشة الفكرية والأدبية فتسهل السيطرة والقضاء عليهم من دون عناء.

نظرة سريعة إلى أسواقنا ومعارضنا وتجمعاتنا العامة في العالم العربي تعطي انعكاساً للمدى الذي وصل إليه الغزو الفكري والثقافي الذي أصبح بديلاً عن السلاح، وانتشر بين الشباب الذين هم عماد الأمة ومركزها ومحورها وقاعدتها الأساسية، فبهم تبنى الأمم، وبهم تقوم الحضارات، وبهم يؤسَّسُ الحاضر والمستقبل، لكن ما نراه من البعض هو الانجرافُ السريع نحو منحدر التقليد الأعمى في اللبس وقَصَّةِ الشعر وحتى في طريقةِ الكلام ومفردات اللغة، والمِشْية والتنازل عن بعض المكتسبات الإيمانية والثقافية والتاريخية، بل وحتى الإنسانية في بعض الأحيان، فهؤلاءِ يُصَنَّفونَ من جملة المفلسين ثقافياً وفكرياً لا بد لهم من علاج.

أصبح التقليد الأعمى يتنامى ويكاد يفتك بلغتنا العربية، بحيث أصبحت عبارة عن عصير مشكل لمجموعة لغات، فعلى سبيل المثال يقول قائلهم آمراً «قم وافتح البانكة، وستجد السويك داخل الموتور، اذهب للدكان واشتر خبزاً»، البانكة كلمة هندية بمعنى مروحة، والسويك كلمة لاتينية بمعنى مِفتاح، والدكان كلمة تركية بمعنى محل، وكما هو ملاحظ أن الجملة فيها من الرَكَاكِة اللغوية ما لا يخفى، والتناغم الصوتي وضعف البنية التعبيرية، فالبنيان متى ما تصدع أصبح لا قيمة له ولا اعتماد عليه، ويضحي فاقداً لمكانته، ومن نتائج ذلك خريجو الجامعة لا يجيدون قراءة كتاب عربي من دون أخطاء لغوية، بل إن البعض منهم لا يجيدون حتى تلاوة القرآن الكريم الذي هو وعاء اللغة العربية، وحقيقة لا أعرف السبب في عدم ثقة العرب في لغتهم على الرغم من جمالها وإبداعها وتوغلها في أدق المعاني والتعبيرات، فالأسد على سبيل المثال له 10 أسماء، أين نجد في بقية اللغات كائناً حياً له هذا العدد من الأسماء؟ لماذا نقلد غيرنا في حديثنا ونحن نملك الكنوز العربية؟

فيصل بن زاهر الكندي

سلطنة عُمان

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا