• الجمعة 03 ربيع الأول 1438هـ - 02 ديسمبر 2016م

عرفه الغربيون في «التجليات» وسافروا بكتبه إلى الشرق/ الحلم

جلسة مع الغيطاني في الفيشاوي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 29 أكتوبر 2015

إذا كان الغيطاني يمارس فن النثر، فلأنه لم يجد أفضل منه لكي يداعب مخيلة الغربي المشتاق الى الاستشراق. في هذه الساعة النهارية، لم يكن السياح قد اجتاحوا بعد أزقة خان الخليلي المتعرجة، وقد تهادى صوت قارئ للقرآن من حانوت صغير، وتبدى بازار القاهرة العتيق مسمراً في الزمن. ولكن هو ذا: جمال الغيطاني، الابن الشاطر لهذا الحي، الذي عاش في أرجائه ثلاثين عاماً، كاسباً في البداية خبزه من عمله كمصمم أبسطة، قبل أن ينبجس حبه للكلمات، ويصبح صحافياً خلال ساعات النهار، كاتباً خلال ساعات الليل، حياتان تتعايشان في هذه البنية القوية ذات الكتفين العريضين نوعاً ما. اليوم، يجلس في زاوية، بعيداً عن النظرات. النُّدل يمرون ويحيونه. شاي يتصاعد البخار منه، أوراق النعناع موضوعة على الطاولة. من قبل، كان نجيب محفوظ، سيد الرواية العربية الحائز على نوبل 1988 يمازح مريديه هنا. من بينهم، جمال الغيطاني، الوفي دوماً لهذا الأب الروحي، ابن نفس الحي مثله. ولكن طعنة إسلاموي وكذا العمر جعلاه ينزوي في بيته، الذي لم يعد يخرج منه إلا قليلاً. «مع الوقت، أصبح صغيراً، هزيلاً، لقد قصر. في اليوم المعلوم، لن يموت، سيتلاشى»، ابتسم الغيطاني بأسى. الزمن، العدو العجوز المتعذر إمساكه «كل شيء على سفر دائم».

على هذه الحالة المرة ينفتح «كتاب التجليات»، المترجم في مطبوعات «سوي» بعد خمسة عشر عاماً من صدوره قي مصر. كتاب لا يمكن تصنيفه، حيث تخدم الفقرات الأوتوبيوغرافية من دون مجاملة سعيه الاستبطاني، تأملاته حول الحب البنوي، هروب الزمن، والنسيان، عالماً بموت والده المفاجئ، بعد عودته من رحلة، الراوي المتألم جلب «للديوان»، ثلاثة أثروا فيه على امتداد الزمن والعالم، ومن ضمنهم الإمام الحسين، إذ تحصل على القوة للإبحار من تجلٍّ إلى آخر، ممسكاً برمل الزمن للحظات لكي يعيد إحياء أحداث الماضي. اقتباس صوفي، حيث يعتبر انخطاف التجليات المرحلة الأخيرة قبل رؤية الذات الإلهية والاتحاد معها. هذا التخلي عن الوعي يفتح الباب للحريات الكبيرة، كما يؤكد جمال الغيطاني «في التجليات، كل الحدود ملغاة، الزمن يتلاشى، من الممكن لويه، استدعاء الماضي للذات، مزج العصور. التجليات إبداع». لكي يعيد إحياء والده، المتواضع والبسيط، ذكر في دوار التجلي آباء آخرين، مرشدين آخرين، وجوهاً حامية أخرى. الشهيد الحسين، رمز المعاناة، النضال المستمر. وآخر عملاق، الأب الصغير للشعوب العربية، جمال عبد الناصر «الذي ارتكب أخطاء عظيمة، إلا أنه انحاز للفقراء والمعوزين». يذكر أيضاً كل شيء، سواء كان صغيراً أو كبيراً، مسائلاً ذاكرة الأعشاب، الأحجار، الأرض التي دعسها والده.

«أحيا بالمصادفة»

تعتبر «الزيني بركات» نصباً في نتاج الغيطاني كله، روايته الشخصية للغاية، والأكثر نجاحاً. مع التهكم العنيف في «الزيني بركات» وتصوير الشخصيات المتوحش في «وقائع حارة الزعفراني»، تحدث بحرية عن حزنه وأوهامه الضائعة في «رسالة البصائر في المصائر». وكتاب التجليات غير ذلك تماماً، نص يقع على تخوم «الديني»، تصريح بالحب المتأخر لأب متوفَّى، كتاب عن الآلام والأمل. مكتوباً ما بين 1980 و1986، ولد الكتاب من سياق تمتزج فيه آلام الكاتب الشخصية وآلام مصر بأسرها. في الواقع، البلد تحيا وقتذاك تراجيديا توقيع اتفاقيات سلام كامب ديفيد، من قبل السادات، بين مصر وإسرائيل، وهي حركة تم النظر اليها كخيانة للقضية العربية والمثاليات الناصرية، علاوة على الانعطاف الرأسمالي للسلطة.

وفياً لعادة يمارسها منذ عام 1975، مع كتابة «الزيني بركات»، يجاور الغيطاني الأساليب، يمزج الإشارات الملحمية مع «تموجات» الشعر الفارسي، مستخدماً بالتناوب الأشكال السردية التي اعتمدها الرحالة العرب مثل بن بطوطة، الحكاية الشعبية، الخرافة، التأمل الديني أو الحكم «لا يجب اجتياز الضفاف. إذا لم يقترب الفنان من الجديد، لن يبدع. لست راوياً للحكايات، أبحث عن إجابات. إذا وددت أن أقول إن هذا يهمني، ليس من الضروري أن أظل أسيراً للشكل. أنا في حاجة إلى الحرية».

حينما يتكلم جمال الغيطاني عن الحرية، لا يتكلم بخفة. يعرف ضرورتها الحيوية. يعرف ثمنها، الباهظ لدفعه، وهو، اليساري الملتزم، المدافع عن اليسار، بعد أن مكث فترة في المعتقل زمن ناصر لأنه تجاسر على القول إن الواقعة الناصرية ليست على مستوى الأحلام التي وعد الريس بها. تجربة تركت آثاراً لا تمحى، مثل رفقته الصعبة مع الموت، في خنادق حرب أكتوبر أو العراق-إيران، التي حكاهما، كمراسل حربي، في عموده على صفحات «الأخبار». «أحيا بالمصادفة. على الجبهة، رأيت موت من كانوا على بعد سنتيمترات مني. إذا كنت واقفاً مكانهم، لم أكن هنا الآن». في المعركة أيضاً، استشهد أحد أصدقائه. بعد سنوات، في زيارة لأرملة، لاحظ الكاتب أن صور الشهيد اختفت من على الحائط، مما يعني أن الذكرى ذابت حتى لدى الأقربين. «هذا الصديق، مثل والدي، عاش. الموت يأتي، وحياتهما، وجودهما، كل شئ غاب، كل شيء تلاشى. الحاضر لا يوجد، دوما نحن في حركة، ولكن إذا حاولنا توقيف هذه الحركة، نموت». فقط الكتابة موجودة، كما يقول، لإحياء الحياة، لمنح الذاكرة. هذه الكلمات، المستخدمة لمجابهة الخلود، الإرث العتيق للأزمنة الهيروغليفية، وصايا معابد النيل المنقوش على حجارتها التاريخ، الأسماء وعادات الماضي. «المصريون القدماء رفضوا فكرة الموت. أنا أيضاً. وبكتابة التجليات، انتهيت إلى عقد تسوية مع الموت، قبلت فكرة هذا التغيير الحتمي للشكل». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف