• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

ذكريات مع صاحب «التجليات» من أعماق فاس الأندلسية إلى حاضر القاهرة القديمة

جمال الغيطاني.. نفَسٌ منْ أنفَاس المُتصوّفة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 29 أكتوبر 2015

1.بسرعة حان موعد رحيلك. كنت أشتاق إلى لقائك بعد طول مدة عن آخر لقاء بيننا في واشنطن سنة 2009. لكن رحيلك كان أسرع. وهل لنا أن نقرر في توقيت موعد الموت؟ عبارة موجزة عن وفاتك، ضمن قائمة أخبار يوم الأحد 18 أكتوبر، على شاشة التلفزة، تختصر كل ما لم أكن أنتظره. أنت وأنا ودعنا في سنواتنا الأخيرة أصدقاء مشتركين، آخرهم عبدالوهاب المؤدب. وها أنت بدورك ترحل. أشاهد الاسم وأصمت. لا أحتاج إلى كلمات الوداع. نظرتك شاخصة بكل صفائها، بعيدة ووحيدة. باتجاه الأهرامات تنظر، وباتجاه نجيب محفوظ تبتسم، وباتجاه فاس تترك الكلمات تطير في سماء الأرض جميعاً.

تبادلتُ وصديقنا سعيد الكفراوي عبارات الأسى على طول عنائك ووفاتك. ثم ظفرتُ لاحقاً بصوت ماجدة. كلماتي معها عن الصبر على آلام الفقدان كانت متعثرة. وهي كانت تبادلني عبر الهاتف كلمات منكسرة، كلها حزن ودعوات وشكر على الاتصال. لم أبحث عن كلمات التعزية. فأنا دائماً أرتبك في النطق بها. لأن الموت عتبة تؤدي إلى الشعور بعبث الوجود. شعور تربّى معي عبر الزمن، ولا يفارقني. من خلاله أرى زوالي وفنائي، ومن خلاله أحس أن موت الأصدقاء شخصيٌّ جداً، ولا شيء يعوض عنه. كل واحد أفتقده من بينهم متفرد، له ما لا يبلغه سواه. فلا مفاضلة بين صديق وصديق. لذلك أعرف عن يقين أنني لن أعثر على من سيحل محل الصديق الذي أفقده. بل حتى كلمة «خاصة»، التي نستعملها عن بعض الأصدقاء لعجزنا عن الخيال، لا تليق بفقدان صديق. كل واحد من الأصدقاء تبقى مكانته كما كانت من قبل، في لحظات تبادل الفرح بالحياة.

أدركني الصمت على إثر قراءة الخبر. وفي الصمت امّحت الكلمات من ذهني. حدادٌ تنقصه الكلمات. كان بودي لو يطول الصمت، لو يتفرع إلى شجرة أتفيأ في ظلها. عزيزي جمال. كنت أسمع في دواخلي هذا النداء وأصمت. نداء لا أعرف هل هو لقريب أو بعيد. نداء في شكل دقات القلب، ذلك القلب الذي عذّبك وأخذك. حكيت لي، ونحن في واشنطن، عن العملية الجراحية التي أجريت لك على القلب المفتوح، وكنتَ متيقناً من أن بقاءك على قيد الحياة هبة إلهية. في نطقك بكلمة «الحياة» كان نغمٌ ينقل أصوات الحروف إلى تأليف موسيقي. كلمة واحدة هي نفسُها ولا نفسُها. أوتار الحلق تتحرك فيما الكلمة لا تتحرك. الحياة نغم على لسانك، بطبقات صوتية متباينة.

2.كان لنا أول لقاء في فاس، بمناسبة ندوة الرواية العربية الجديدة، التي كان نظمها اتحاد كتاب المغرب بين 21 و24 من شهر سبتمبر 1979. وفي صباح اليوم الموالي لانتهاء الندوة، 25 سبتمبر، توجهنا جماعة، أنت وعبدالحكيم قاسم وإدوار الخراط ومحمود أمين العالم وصديقي محمد حميمش وأنا لزيارة المدينة القديمة. بمجرد ما أقبلنا على باب بوجلود، أشهر أبواب المدينة، تبدلت سحنة وجهك. سطعت في عينيك إشراقة، لعلها عادت إليك من عهود لا عدّ لها. وفي الخطوات المتباطئة كنت تسأل، أو كنت تتوقف وتتأمل، أو تعلق، أو تقارن بين فاس والقاهرة.

لم أفاجأ بدهشتك أمام عتاقة فاس وما تمثله من أسرار عمرانية، وحياة يومية تحافظ على ثقافة مغربية أندلسية. كان مشهد الأسواق يتوالى في سلسلة من الألوان يؤاخي بعضها بعضاً. وأنت تمسك ذراعي وتسأل. ولأنني ابن فاس، الذي عاش في الخمسينيات والستينيات بين بيوت وأسواق ومساجد وأضرحة، كنت لا أتلكأ في تقديم المعلومات والشروح مما تعلمت من أبي، ومن أفراد عائلتي، أو مما تعلمت بنفسي من كتب التاريخ التي كنت محباً لها. ومن اللحظات الجليلة، التي ارتويت بها، تلك التي دخلت فيها إلى مسجد القرويين وفتحت حواراً مع إمامها. كنت تريد أن تفهم سر انحراف القبلة نحو الجنوب، بدلاً من توجهها نحو الشرق. وفهمتَ كيف أن انحراف قبلة القرويين خصيصة معمارية في مجموعة من مساجد الشمال الإفريقي، كما هو الحال في الزيتونة وفي الأزهر نفسه.

في مدرسة العطارين استحوذ عليك الهيكل المعماري، وأخذك جمال الزليج، بتنوعه وتناسقه، في تركيب هندسي يطوف بالجدران. فوق الزليج أحزمة ولوحات من الجبس المنقوش، ثم في الأعلى أفاريز من الخشب، حفرت عليها آيات قرآنية بخط مغربي أندلسي سميك. في وسط المدرسة صهريج ماء دائري من الرخام للوضوء. في الداخل قاعة للصلاة والدراسة. وفي الطابق العلوي غرف إيواء الطلبة، الوافدين على فاس للدراسة في القرويين. زمردة تشهد على هندسة العمارة المغربة الأندلسية في عهد المرينيين. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف