• السبت 27 ربيع الأول 1439هـ - 16 ديسمبر 2017م

مي غصوب.. تأمُّلات أنثوية فيما بعد الحداثة

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 03 مارس 2007

على غير انتظار، رحلت عن عالمنا الكاتبة اللبنانية مي غصوب (1952 ـ 2007)، التي ظلت لعقود خلت في مقدمة الكاتبات العربيات المبدعات اللواتي يعشن في المهجر،

وغصوب عاشت ردحاً من حياتها في بيروت بداية، وفي باريس تالياً، وفي لندن أخيراً حتى موتها فيها. وظلت لسنوات تكتب في جريدة ''الحياة''، وفي دوريات وصحف عربية أخرى، وتعمل مديرة لدار الساقي في لندن. هنا عرض لأحد مؤلفاتها التي صدرت في مطلع التسعينات، وهو كتاب ''ما بعد الحداثة: العرب في لقطة فيديو'' الذي يمثل إحدى الدراسات النسويَّة المهمة التي ركَّزت النظر في موضوعة الحداثة وما بعد الحداثة.

رسول محمد رسول

في كتابها (ما بعد الحداثة: العرب في لقطة فيديو/ لندن 1992) تتساءل مي غصوب فيما إذا كان العرب يناقشون ''ما بعد الحداثة'' أم لا؟ وترى أنهم ما زالوا عازفين عن الموضوع وكأنه لا يعنيهم، فهل هذا التجاهل في محله؟ بالطبع كلا. ولهذا تناقش غصوب مصطلح ما بعد الحداثة من حيث تعدد التعريفات له وعلاقة العرب به فتقول: في آخر الأمر لا يسع أن يتجاهلوا ما بعد الحداثة لسبب بسيط آخر هو أنها دخلت القاموس والوسائل التي يتم على ضوئها تحليل أوضاعهم. وكائناً ما كان التعريف الذي نعتمده لما بعد الحداثة، فمن الواضح أن هذه الكلمة تُستعمل اليوم في صورة ثابتة، لكي تصف حال الأشياء التي تشكِّل، في نظر البعض الحقبة التالية على الحرب العالمية الثانية. إلا أن غصوب تؤكد أنه من الواضح أن العرب لم ينجحوا، حتى الآن، في تعريف مصطلح ما بعد الحداثة على نحو جليٍّ، هذا إذا افترضنا إمكانية التعريف أصلاً. ومع ذلك تسرح غصوب بقارئها في جولة على يوحي به المصطلح فيما تسميه بما يطال حياتنا وبيئتنا وقيمنا.

وتحت عنوان (نهاية الطبيعة الأم)، تحفر غصوب في مصطلح ما بعد الحداثة من زاوية جملة مظاهره الواقعية، لكنها تبقى في الإطار النظري النقدي، فإذا كانت الحداثة، تقول غصوب، هي التي تولَّت نزع الطبيعة عن العرش الذي احتلته آلهة متوَّجة، فإن ما بعد الحداثة، كما يقول دعاتها، فعلت ما هو أكثر جذرية بجعلها الثقافة طبيعة ثانية لنا، وأحياناً بإحداث ما هو أكثر، أي جعل الثقافة هي الطبيعة. ولذلك تحاول غصوب أن تقدم مسحاً جديداً لعدد من المفاهيم التعريفية لمصطلح ما بعد الحداثة لدى فنانين مثل عازف الموسيقى ماغريت، وكتّاب مثل جورج ميركور، والكاتب الألماني إزيا برلين، وليوتار، كما إنها تعرج على مفهوم النسوية بوصفه مفهوماً ما بعد حداثياً. لقد سعت غصوب إلى النظر في تمثيلات المجتمع لمعطيات ما بعد الحداثة كما يتجلى لدى كتّاب ومبدعين يمارسون الفعل الفني والأدبي غير بعيدين عن حركة الواقع. وليس بعيداً عن ذلك تركز غصوب النظر في مفهوم ''الطليعة'' الذي رحب جيمسون باختفائه عندما صارت ما بعد الحداثة ثقافة الرأسمالية المتأخرة، بل إن هذا المفهوم تأثر بفلسفة الناقد الفرنسي رولان بارت الذي طرح مقولة ''موت المؤلف'' والتي في ضوئها يمكن الحديث عن مقولة ''موت الطليعة''، وهو الموت الذي تأثر بفكرته عدد غير قليل من المفكرين الغربيين ومنهم الفرنسي برنار ليفي الذي عبر عن مقته لهذا المفهوم مراراً. إلا أن غصوب تجد في هذا الجدل علاقة فيما يعانيه المثقف العربي من مشكلات، ومنها غربته عن ما بعد الحداثة عندما يفكر في الأثر والتأثير تحت سلطة مقولة السارق والمسروق من النصوص الأدبية، والجميل في الأمر أنها تورد مقولة عربية تراثية مفادها (مَن سرق واسترق فقد استحق)، وهي المقولة التي تعبر عن فلسفة التناص في الفكر العربي الإسلامي.

في أجواء هذا الفكر الحداثي، تتناول غصوب جملة من المقولات كالسخرية والإبداعات وهندسة العمارة، وعلاقتها التطبيقية بفلسفة الفكر الحداثي، لكنها تختم كتابها بتعريف من مدخل شخصي لما بعد الحداثة، وهو تعريف يتحدث عن رؤيتها الشخصية كامرأة وهي تخوض غمار العيش في عصر ما بعد الحداثة، تقول غصوب: إنني أشعر بالانتماء إلى مزاج ما بعد الحداثة هذا؛ فأنا ابنة مدينة تعلَّقت دائماً بالمثالات المدينية، ثم نضجتُ في الثمانينات في لندن. لا تزال الحداثة أخلاقية، أما إحساسي بما بعد الحداثة وتجربتي له فيجعلانني حسّاسة حيال ماضيِّ الشخصيِّ، وحيال أصدقائي الذين ما زالوا يحاولون أن يقدموا أنموذج حياة صالحاً.