• الاثنين 22 ربيع الأول 1439هـ - 11 ديسمبر 2017م
  10:11     تراجع أسعار النفط بسبب زيادة منصات الحفر النفطية بالولايات المتحدة         10:12    حزب مادورو يكتسح 20 على الاقل من بلديات عواصم الولايات الـ23    

كيف وضع نيتشه الفلسفة على مطرقة النقد الجذري؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 03 مارس 2007

علي الربيعي:

وجّه الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه Friedrich Nietzsche نقداً صارماً لمشروع الحداثة الغربية، مستهدفاً في مطرقته النقدية أسس اليقين المعرفي وقيمه الكبرى متمثلة في مفهوم العقل، وفي فلسفتي الذات والوعي، وفي أيديولوجيا التقدُّم، وفي غائية التاريخ.لم يتوقف النقد النتشوي عند زعزعة القيم، بل تجاوزها إلى كل بديهيات العقلانية الغربية. فقد رفض نيتشه القول بمنطقية الوجود، أو اعتبار الحقيقة مطابقة بين الفكر والوجود استناداً إلى منهجية الاستدلال المنطقي التي تعد تقليدا في الفكر الفلسفي الغربي. إنه يروم إلى اقتلاع الشجرة التي نما وتطوَّر بها الفكر الغربي في كل فروعه، أي تدمير البناء الذي تأسَّس أصلاً على ما يطلق عليه ''القابلية للانحلال، وعلى قيم الضعف والهشاشة''.

كذلك قام نيتشه بقلب نسقية الفلسفة الأفلاطونية بوصفها البنية الأساسية للفكر الميتافيزيقي والديني المسيحي القائم على ثنائيات أخلاقية ومعرفية، وعلى أساس نظام القيم السائدة. فلم يتردَّد من تفكيك مجمل الثنائيات الأخلاقية، وعلى رأسها قيمتي الخير والشر بوصفهما أساس الفكر الديني، بل والعمود الفقري للميتافيزيقا الغربية، مقابل إعطاء الأولوية للشروط الحيوية لإنتاج المعرفة متمثلة في ''إرادة الحقيقة'' التي هي التعبير المكثف عن إرادة القوة.

لقد خصَّص نيتشه لموضوعة ''إرادة القوة'' مؤلفاً مستقلاً بهذا الاسم مع عنوان فرعي هو ''بحث في التجاوز القيمي لجميع القيم'' رفض فيه كل مؤسسات القيم القائمة متمثلة في أنظمة الأخلاق والفلسفة الميتافيزيائية والدين المسيحي، وأدى إلى تأسيس قيم لم تؤسِّس بعد، قيم إرادة القوة على أساس أن إرادة القوة هي المبدأ الذي به يكون الكائن!

قامت مطرقة النقد الجذري النتشوي بتوجيه ضربات قوية لدعامات الثنائيات الوجودية والفكرية التي تظهر في متقابلات مفهومية مثل: الحقيقة والخطأ، الحسي والعقلي، الجسد والروح، الظاهر والباطن، والفكر والوجود. لقد اتخذ نيتشه من الفلسفة الأفلاطونية موضوعاً مركزاً للنقد والهدم بوصفها المرتكز والبنية الأساسية للفكر الميتافيزيقي برمته، كما عدَّ المسيحية رمزاً للعقيدة الدينية عامّة، وذلك من خلال الكشف عن جذورهما الخلقية والنفسية. فـ ''المنهج الجينالوجي'' الذي ابتكره نيتشه تقوم مهمته الأساسية في تتبع نشأة الميتافيزيقا الغربية كذلك أشكال تمثلها، والكشف عن منظومة القيم الخلقية الملازمة لها بالإحالة دائماً إلى الشروط الوجودية والنفعية المتأصلة في صميمها، أي الكشف عمّا يسكنها من رهانات ومصالح تكون الأسباب الفعلية المنتجة لها. وأن المسيحية ليست إلا أفلاطونية كُتبت بلغة مجازية مبسطة لا غير. فنيتشه يرى أن ما هو مشترك بين الميتافيزيقا الأفلاطونية واللاهوت المسيحي هو إقامة المتقابلات الثنائية الصارمة عن نظام الوجود والمعرفة، مع نظرة سلبية بل احتقارية لكل ما هو مادي ومتغير لصالح عالم أخروي ثابت وأزلي.

تتويجاً لهذا المشروع النقدي، ينتهي نيتشه إلى تأسيس نظرية جديدة في الحقيقة والمعنى استناداً إلى ما يسميه بـ ''المنظورية المعرفية'' التي تفقد الوجود كل مرتكزاته الماهوية والجوهرية، وتحوّله إلى ضرب من المجازات والأعراض الدالة، وأن فكرة التعالي لا تعد إلا هامشية وعديمة الفائدة لابد من التخلُّص منها؛ فهي تشطر الوجود إلى ''عالم فوقي كامل وثابت'' و''عالم دنيوي ناقص ومتغير''، وما يستتبع ذلك من مقابلات أخلاقية بين الخير والشر، والجميل والقبيح، والصدق والكذب. ... المزيد