• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

أزمة الخطاب في الأمة العربية هي أزمة المتلقي وليست أزمة المرسل أو القائل أو الكاتب لأن أمة العرب لديها ما يمكن أن نسميه قبلية الفكر

أغلبية غبيَّة وكثرة «كَشرة»!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 28 يناير 2015

صار مصطلح تجديد أو تغيير الخطاب الديني مصطلحاً مملاً وسخيفاً وتردد كثيراً حتى فقد قيمته ومعناه. والحق أن العرب في حاجة ماسة إلى تغيير الخطاب كله أو تجديد الخطاب كله، السياسي والديني والثقافي والإعلامي، لأن كل الخطاب في أمتنا أصبح خطاباً أحمق وكاذباً ويخلط الأوراق خلطاً مقيتاً. وهناك عبارة لا أملّ من تكرارها مع نفسي وبين الناس وهي أن المرء منا لا يعني ما يقول ولا يقول ما يعني وهو نفس المعنى الذي رمى إليه الشاعر العربي القديم الطغرائي في قوله: غاض الوفاء وفاض الغدر واتسعت مسافة الخُلف بين القول والعمل.. وهذا كلام قيل قبل ألف عام فماذا يمكن أن يقال اليوم؟ وأزمة العرب عموماً هي أزمة فعل وليست أزمة قول. أزمة خضاب وليست أزمة خطاب. أزمة خضاب يحاول أن يخفي وجهاً عكراً. أزمة المسافة الشاسعة والهوة السحيقة بين القول الجميل والفعل القبيح. مرة أخرى وللمرة الألف أقولها. أزمة النفاق وأزمة الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم. كما أن الأزمة الطاحنة والطاعنة عندنا هي سذاجة المتلقي للخطاب كله، وسهولة خداعه والضحك عليه. هي أزمة ثقافة القطيع والإمعات الذين يحسنون إذا أحسن الناس ويسيئون إذا أساء الناس. وثقافة القطيع هي التي تجعل مسألة توجيه الرأي العام في غاية السهولة لمن يحسن الكلام والخطابة حتى إذا كان كاذب الفعل منافق السريرة. وثقافة القطيع والإمعات هي التي تجعل أعذب القول عندنا أكذبه. فالحق هو ما يراه القطيع ولو كان باطلاً، والصواب ما يراه القطيع ولو كان خاطئاً. والقطيع يعتمد على بعضه في الفكر والخطاب، ويعفي نفسه من التأمل وإعادة النظر. ومحاولة التأمل وإعادة النظر سباحة محفوفة بالمخاطر ضد تيار القطيع.. وكثرة الجماعات والفرق الهالكة في هذه الأمة قائمة على ثقافة القطيع والسمع والطاعة وتحريم النقاش والتأمل وإعادة النظر، لذلك لا يمكن الاعتماد على الإجماع كمصدر للحقيقة في هذه الأمة، لأن الإجماع عندنا يكون غالباً أو دائماً على الباطل. ولأن الأغلبية عندنا في أمة العرب غبية وغيبية ومغيبة. وثقافة القطيع هي المسؤولة عن جعلنا في غيبوبة فكرية تامة وطويلة وفقدان وعي. فنحن نقول بلا وعي، ونسلك بلا وعي، ولا إدراك لذلك يمكنك أن تقول وأنت مرتاح الضمير إن الكثرة في أمة العرب (كشرة).

وأزمة الخطاب في الأمة العربية هي أزمة المتلقي وليست أزمة المرسل أو القائل أو الكاتب لأن أمة العرب لديها ما يمكن أن نسميه قبلية الفكر وهذا ليس فكر القبلية. معنى ذلك أن قبلية العرق والدم ضمرت وكادت تتلاشى لحساب ولصالح قبلية الفكر أو القبلية الأيديولوجية، وهذا هو سبب تحول الإسلام إلى فرق ونحل وملل ومذاهب كلها هالكة إلا الذين لا ينتمون إلى أي من هذه الفرق، أي أنا وأنت وهو وهي من عوام الناس. ولتوضيح الأمر أكثر بشأن ما أسميه القبلية الفكرية أو الأيديولوجية، يمكنك أن تطبق ذلك على جماعة «الإخوان» مثلاً، فهي ليست سوى قبيلة فكرية قائمة على السمع والطاعة والمرشد هو شيخ هذه القبيلة وزعيمها. ورغم تعدد الأعراق، فإن الأفكار واحدة، أي أن ما جمع هذا الخليط المتنافر هو القبلية الفكرية لا العرقية، والقول نفسه ينطبق على جماعات أخرى تحت عنوان القبلية الفكرية، مثل «داعش» و«الجهاد» و«أنصار بيت المقدس أو من أسميهم (أنصاب وأزلام بيت المقدس).. والقاعدة.. وبهذا التعريف يمكنك أن تسمي هؤلاء قبائل بدلاً من جماعات أو تنظيمات.. فالإخوان لا يتزوجون ولا يزوجون من خارجهم ولا يسمحون بمعارضة داخل نسقهم ولا يقلدون المناصب إذا قفزوا على السلطة إلا لمن هو منهم.. ولو حاولت وأنت من خارج نسقهم أن تخطب ودهم أو تنافقهم أو تنضم إليهم أو تركب موجتهم من أجل جزء من الكعكة فإنهم لن يسمحوا لك ولن يأمنوك.

وفي مصر مثلاً عندما قفزوا على السلطة في غفلة المغفلين اندفع آلاف وربما ملايين الناس نحوهم وراحوا يخطبون ودهم، لكنهم لم يأمنوا أحداً وقسموا الغنائم على أفراد قبيلتهم، واختلقوا حزباً سياسياً اسمه «الحرية والعدالة» تزعموه هم وسمحوا للمنافقين المندفعين نحوهم بالانضمام إليه، أي جعلوه خيمة إيواء لـ«الإخوان» غير الأصلاء الذين انتموا إلى الجماعة بمجرد بطاقة عضوية في الحزب، أو في خيمة الإيواء «الإخوانية».

والقبلية الفكرية هي المسؤولة عن الحوار الذي بلا طائل، والذي يبلغ حد البذاءة وقلة الأدب والحياء على مواقع «التفاصل» الاجتماعي وعبر الفضاء .. فالمنتمي إلى قبيلة فكرية لا يمكن التحاور معه لأنه يتبنى أفكار قبيلته ولو كانت سقيمة وحجة قبيلته ولو كانت داحضة .. يعني - نحن نقلنا العصبية والعنصرية من العرق والدم إلى الفكر والدين، لأننا بطبعنا عصبيون ومتطرفون وقبليون في الأساس - وكل الحروب التي تدور رحاها في أمة العرب من أقصاها إلى أقصاها حروب قبلية اتخذت عناوين الفكر والدين والديمقراطية وحقوق الإنسان والعيش والحرية والعدالة الاجتماعية - وهذه القبلية الفكرية هي التي السبب وراء حوار الطرشان الذي يدور في أمة العرب الآن، وهي السبب في أن يكون لكل قبيلة فكرية إسلامها الخاص - والإسلام لا يقبل القسمة لكن القبلية الفكرية هي تقسمه وتفصله على مقاس كل قبيله، وما ينطبق على الدين ينطبق على النظريات والأفكار. فهناك القبيلة العلمانية والقبيلة اللادينية. لكن أقواها جميعاً هي القبائل الدينية لأن هناك خللاً في عقل المتلقي العربي، وهناك ثقافة القطيع، وهذا القطيع لا يبحث عما يقنعه ولا يبحث عن منطق ولكنه يبحث عما يدهشه ويذهله في زمن ماتت فيه الدهشة .. كما أنه يبحث عما يثير غريزته وشهوته .. لذلك نجح أهل الفرق الهالكة في جر القطيع إلى حظيرتهم بأمرين اثنين هما الإغراق في الخرافات والدجل والهلاوس والضلالات وتأنيث الدين وحبسه في جسد المرأة وما يشف وما يكشف وجماع الوداع ونكاح الجهاد.. فاندفع القطيع بالشهوة وبإدمان الخرافة إلى حظائر هؤلاء الإرهابيين فكان ما نحن فيه الآن .. وهكذا فإن مشكلة وأزمة الخطاب كله وخصوصاً الخطاب الديني هي غفلة المتلقي وسهولة التأثير فيه .. المشكلة والأزمة هي القطيع وأن الأغلبية غبية والكثرة (كشرة).

محمد أبوكريشة *

* كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا