• الثلاثاء 23 ربيع الأول 1439هـ - 12 ديسمبر 2017م
  10:17     شرطة بنجلادش تبحث عن عائلة المشتبه به في تفجير نيويورك         10:32    إجازة رأس السنة الميلادية للحكومة الاتحادية يومي 31 ديسمبر و1 يناير        11:00     مسؤول أمريكي: روسيا تسعى لتنصيب فاروق الشرع رئيساً مؤقتاً لسورية     

كلام - محمد المزروعي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 02 مارس 2007

صرخة بروس لي

شكلت صرخة ''بروس لي'' - الشهيرة عند ضربته القاضية للقضاء على الشر في صورة شخص ما، وكذلك صورته الموسومة بضربة مخلبية على بطنه، أربعة خطوط من الدم، يصنعان من الجرح مَلكَاً متوجاً في الفضاء، ومن تحته فورة العضلات وجغرافيا الروح الطاردة للشر، - عزاءً لا مثيل له بيننا، كأطفال مدارس وأحياء، لم نكن نشعر بظلم شيء معين لنا، إنما كنا نعيش وضعية مظلومة دون وعي تفصيلي بما يقع علينا، غير أننا كنا بشكل ما مسجونين في النظامين العائلي والمدرسي، ومن ثم كان ''بروس لي'' أحد هذه الأساطير التي نُفَرِّغ من خلالها شخصياتنا الأخرى التي لا يعلم عنها أحد إلانا، تماماً كما كانت تمنحنا الأفلام الهندية بكاءنا التطهري، بقصصها الملتهبة درامياً، وإيقاعات أغانيها الآسرة لتلابيب الضعف الذاتي.

الخير والشر هما الوسيلتان الدائمتان لوضع تمثُّلات المجتمع والمواقف والأنظمة محل شبهة واشتباه، لأن الفكرة المثالية لصفاء إحداهما صفاء كاملاً غير موجودة إلا في الدعوة لهما، كل فريق بطريقته، ومن هنا كان ''بروس لي'' بطلنا السري والمعلن في الوقت نفسه، معلن خارج البيت والحصة المدرسية، سرياً داخلهما، فطاقة اتخاذ الحركات القتالية مع إطلاق صرخة التنين المتشنجة العارمة، ولو لم يكن عدوك حاضراً، كانت كفيلة بضخ الرعب في الأنظمة الاجتماعية الجائرة، والتي منها مجموعة طلاب متنمرين قد يأخذون فطورك دون قدرتك على منعهم، على أن الأساتذة والآباء هم السدنة الكبار لهذا الجور.

لاستعراض القوة هيئة جسدية، والكثير منا كان يقوم بالتدريب على هذه الحركات، ورفع الأثقال متمثلة في مخدات وعلب صفيح مملوءة بالماء، إنما بعد ذلك كنا نُقهر بكل سلاسة أمام كلب يعوي علينا عند ناصية الحارة، وما قد نفهمه على أنه استعراض للقوة البروسلية لأحلامنا، والذي في الوقت نفسه منحنا حُكماً ذاتياً، كان المجتمع يفهمه على أنه صبيانية عُمر وتصرفات حمقاء.

.. حقيقة كنا نشعر بأن هناك عالمين في تناطح دموي، الأطفال والكبار، تماماً كالدول الكبرى والأخرى الصغيرة، فمن يملك القوة يعرف مصلحتك، ومن لا يملكها عليه أن ينصاع، ومن تسول له نفسه بالخروج عن الصف يتولاه العقاب، فالهُوَّة الفاصلة بين عالم وعالم تتملكها نزعات استعمارية لا مناص منها، ففي الوقت الذي يكون عليهم أن يربوننا فيه طِبقاً لأي مقتضيات قارة في زمنهم وعقلهم، هو نفسه الوقت الذي يكون علينا أن نكتشف حضورنا الخاص دون اللجوء إلى زمن ولا عقل سوى طفولة مهدنا.

الشق الآخر من هذه اللعبة هو الزهو الأتوماتيكي التي تمنحنا إياه صرخة ''بروس لي''، شيء ما في هذا الجسد الصغير يشعر أن صورته الخرساء صارت صورة ناطقة، وخصوصاً عندما تخيف صرختك عدوك الجائر، فلا تنسى أن ''بروس لي''، هذا الذي لا يتعدى على أحد إلا بعد صبر مرير، هو مثلنا نحن الأطفال، هادئ، خدوم، يفي بالوعد، خفيف الظل، لكنه يمتلك تلك الصرخة التي إذا أطلقت فعليك السلام،

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال