• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

الحياة الطبيعية حلم يراود السوريين عبر الرحلة إلى أوروبا

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 23 أكتوبر 2015

فيينا (أ ف ب)

عند حافة إحدى مزارع الكرم في البلقان، يستلقى محمد الحاج تحت شجرة يستجمع أفكاره. وما أن يجنّ الليل، يخطط هو ورفاقه من السوريين الفارين من جحيم الحرب إلى المرور عبر المزرعة قبالة سياج مرتفع من الأسلاك الشائكة على الحدود المجرية، بعيداً عن أعين حرس الحدود المدججين بالسلاح. وبدت هذه اللحظة فاصلة في الرحلة الطويلة عبر القارة، بعد أن قضى الساعات القليلة الماضية يخطط عبر الحدود لكيفية التسلل سريعاً عبر الحقول من الصرب إلى المجر، بينما كان يمعن في التفكير: هل نسيت شيئاً؟

وتشتت أفكاره على وقع أصوات طائرات الركاب تحلق في السماء عند المساء، بينما كان يشاهد الطائرة تلو الأخرى، تحمل ركاباً عاديين في رحلات عادية، وبات يفكر في الحياة التي كان على يقين أنه سيصل إليها في ألمانيا. وواسى محمد نفسه قائلاً: «قريباً سأسافر بالطائرة مثل هؤلاء».

وسيطر حلم الحياة الطبيعية بعد الدمار الذي خلفته الحرب الأهلية السورية على أفكار الشاب البالغ من العمر 26 عاماً طوال رحلته، عبر بحر إيجة، الذي قضى فيه كثيرون مثله نحبهم غرقاً، وعبر أميال من السير على الأقدام تحت أشعة الشمس الحارقة، وتحت الأمطار والحقول الوعرة، ومحطات القطارات المزدحمة وفترات الانتظار الطويلة للحافلات، وقلة النوم، والتشوش ونفاد الصبر والإنهاك والخوف والغضب.

وراودته كل المشاعر الممكنة باستثناء شعور واحد فقط، هو اليأس، فلم يشعر أبداً بلحظة يأس أو استسلام. وكانت رحلة محمد جزءاً من حركة انتقال إنسانية تاريخية، حيث عبر أكثر من 600 ألف مهاجر عبر البر والبحر، يبحثون عن ملاذ آمن في أوروبا، بينما تكافح الدول هناك من أجل التكيف مع أكبر موجة هجرة منذ الحرب العالمية الثانية. ومثل كثيرين، كان محمد فاقداً للأمل في الفرار من الحرب، بينما تؤرخ رحلته للطموحات الشخصية الدفينة التي دفعته وآخرين مثله إلى القيام بها، إذ كان مقتنعاً بأنه يستحق حياة أفضل من العيش محتجزاً كلاجئ في تركيا.

ويقول محمد: «على الأقل سأشعر في أوروبا أن لي حقوقاً».

وجنّ الليل فوق مزرعة الكرم، واستعد محمد ورفاقه، ومن بينهم أب وابنته من محافظة حلب، وطبيبان سوريان، وفتى يبلغ من العمر 16 عاماً يدعى عبد الرحمن البابلي، أقرب أصدقاء شقيق محمد الأصغر من حلب، الذي منحه ثقته ليصطحبه إلى أوروبا.

وبدت السماء مضيئة بقدر ما يرون أمامهم، بينما سترهم الليل ليشقوا طريقهم، وأمامهم قضبان السكك الحديدية، وحقول الذرة، وحرس الحدود، وإذا تمكنوا من مراوغتهم، سيكون الطريق إلى النمسا ومنه إلى ألمانيا مفتوحاً على مصراعيه. واستفاد محمد من مثابرته، ومواصلة التحرك، والاندفاع نحو أي باب مفتوح. فبعد يومين من عبوره إلى المجر، أغلقت حدودها مع صربيا، متذرعة بضرورة حماية الحدود الأوروبية، طالما لم تتصد اليونان لهذه المهمة.

وفي القطار عبر النمسا، بدا محمد متفائلاً، وكانت الأميال تنقضي سريعاً، ولم يعد أمامه سوى الوصول إلى ألمانيا، كي يبدأ حلمه يتحقق!

     
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا