• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م
  12:36     تعيين كازنوف رئيسا للوزراء في فرنسا خلفا لفالس     
2016-11-28
بذرة المستحيل
2016-11-14
مرثية التيه
2016-10-31
الرغبة المشاكسة
2016-10-17
موت من في الخريف؟
2016-10-03
أهمية الرسائل الخاصة
2016-09-19
زورق التيه
2016-09-05
هنيئاً هنيئاً أيتها النساء
مقالات أخرى للكاتب

الآلة المخادعة

تاريخ النشر: الإثنين 27 يناير 2014

«بين الفكرة والكلمة أكثر مما نستطيع فهمه»

فلاديمير هولان

صوتٌ رتيبٌ يدمدم في باكورة كل صباح؛ صوت آلة تدور في صبر وأناة ومثابرة؛ تلوك الثياب كي تعيد لها رونقها؛ ونظافتنا!

هذا الصوت كم ألفناه حتى لم نعد نسمعه.. حكمة الرتابة والمألوف!

هل يدمدم الزمن هكذا حين يلوك أعمارنا في تروسه؟

هل تدمدم السنوات في عبورها على أجسادنا ونحن لا نسمعها لثقل ما تضج به أيامنا وتهدر به وقائعنا في فجاجتها؟

سادرون في الصمم وفي المألوف! لماذا كلما ألفنا شيئا غفونا عنه؟

صفير السياط، سيول الدم، هدير الفجائع، عويل القتلى، وتكسّر أمانينا؟

لم نعد نسمع حتى دقات الساعة وهي تجر عقاربها للأمام، فيما نحن نجر خطواتنا للوراء!

◆◆◆

طرطشة الماء، صدى الرتابة، الثياب الدائخة من الدوران: توقفي.. نسيت ثوبا آخر، ثوبا أهمَّ من الأثواب كلها، ثوبا نسجوه خيطا، خيطا، فيما توهمت أنني نسجته كي يصير لي! سأوقفك الآن؛ بيدي أن أوقفك، لكن لم يكن بيدي أن أرتدي هذا الثوب.. هذا القماش الذي مسحوا فيه أفواههم في اجترارها الدؤوب!

خذيه إذن.. اغسليه، وغسّليني!

سأضع كثيرا من الصابون، وكثيرا من المبيّض المركز، وكثيرا من الماء ليعود ثوبي إلى خيوطه الأولى.. سوف أعلقه على حبال الأحلام ذاتها، وأدعو العصافير كي تشبكها بمخالبها اللطيفة حتى لا تعصف به الرياح وتطيّره في الهباء، وإذا تشابكت خيوطه في دورانك الرتيب وتجعدت، فسوف أسويها ببهجة النار الحميمة!

أغسلي ثوبي.. أعيديه لي نقيا ملّونا كمروج السهول البعيدة. لا أريده ناصعا مثل ثياب القتلة، أولئك الذين يديرون آلات الغسيل طوال اليوم، يشترون أحدث أنواع الصابون الشديد الفعالية في إزالة الأوساخ وبقع الدم.. الصابون القاسي على الأوساخ، اللطيف على أصابعهم التي تجلد وتذبح وتحرق وتضغط على الزناد!

إنهم يشعرون بالبهجة والوجاهة وهم يتناولون الثياب الناصعة الألوان، الملساء، الخالية من التجاعيد كي يسدلوها على تجاعيدهم!

ولأن وهم نصاعتهم خرج من دورانك، من مثابرتك ورتابتك، فسوف يدلّكون جلودهم الغليظة جيدا كي يليقوا بنظافة المساحيق العصرية!

سوف يتهيؤون جيدا ويستأنسون برأي مراياهم قبل أن يتناولوا تقارير الفدائح، وأخبار الجرائم التي ارتكبوها بالأمس، فيما هم مطمئنون إلى هديرك كل صباح!

وحدك ينبغي ألا تتوقفي.. ألا تتعطلي، إذ إن ذلك فقط سيشعرهم بالاتساخ.. حدّ القلق!

◆◆◆

خذي ثوبي ودوّريه في دولابك، ليصبح شديد النقاء والنظافة.

لكن مهلا أيتها الآلة المخادعة، عليّ أن أجرد الأوساخ، أن أتفحص البقع واللطخات والثقوب. هنا لطخات شديدة الرسوخ، عتيقة، مزمنة، لطخ الهزائم في كل زمان ومكان، وهذه بقع الخيبات والخذلان، أما هذه فلطخ متأصلة:

صدأ القيود المنتشرة في النسيج كله، ثقوب في القلب واهتراءات في الوقائع والرؤية، ومزق في الجسد!

ثمة فوضى في الألوان لا أحبها: خطوط وضعت هنا وهناك، لم أرسمها، لم أحدد غاياتها.. خذي النسيج كله ودوّريه في دولابك.. سأسكب عليه الكيمياء.. خذي اتساخات العصور، وأعيدي لي ثوبي جديدا.. كي أعيد تكويني!

hamdahkhamis@yahoo.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا