• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م
2016-11-28
بذرة المستحيل
2016-11-14
مرثية التيه
2016-10-31
الرغبة المشاكسة
2016-10-17
موت من في الخريف؟
2016-10-03
أهمية الرسائل الخاصة
2016-09-19
زورق التيه
2016-09-05
هنيئاً هنيئاً أيتها النساء
مقالات أخرى للكاتب

الذاكرة بين الآن والأمس

تاريخ النشر: الإثنين 26 مايو 2014

بين اللحظة الحاضرة والماضي خيط رفيع ينسج شباكه من ذاكرتنا التي تختزن الماضي كذكرى بعيدة ومنسية كما نتوهم، لكن في لحظة حاضرة تستيقظ الذكرى عندما تكون النفس في اللحظة الحاضرة في حال شبيه بالحال التي كانت عليها في نسيج الماضي الذي تختزنه ذكرى زمن كنت فيه في دمشق الحبيبة التي أفتقدها اليوم بعد أن كانت مصيفي في كل عام وملاذي من كل صخب ورتابة وضجر.

في ذلك اليوم الذي يبدو بعيدا في قياس الزمن الراهن استيقظت باكرا في الثامنة والنصف من صباح دمشقي رغم أني نمت في وقت متأخر مساء البارحة.. كنت أقرأ رواية «غرترود» لهرمن هسه حتى غفوت تعبا. أعددت فنجان قهوة على غير عادتي إذ أبدأ عادة بشرب كأس من الماء ممزوجا بالليمون والعسل.

صخب في داخلي واشتباك بين الرغبات المتضادة. بين رغبة البقاء والتوحد ورغبة العودة لتلبية شروط العائلة. لسنا أحرارا قط. نحن النساء دائما مقيدات للعائلة، للزوج، للأبناء. نعم أحب أولادي حتى آخر قطرة في دمي. حتى أدق مسامات جلدي. بل إن هذا التقابل صغير القيمة إذا ما قست شخصي وحياتي وكياني وجسدي بأولادي فإنهم أكثر قيمة وأغلى من كياني هذا.. أغلى ما في الوجود وما في وجودي.. ومع ذلك وطالما أنهم بخير ووفرة وقد كبروا على حاجتهم إلي فإننيّ أشتهي أن أكون وحدي. أتوحد بذاتي التي علاها غبار الوحشة وصدأ الغربة.

ثمة غربتان يعيشهما الإنسان أحيانا إحداهما أشد وطأة من الأخرى: غربة المكان وغربة الباطن التي هي غربة الروح واللغة والقلب والجسد. غربة تفيض عنا على المكان حولنا. غربة العيش في وسط يجهلك، لا تستطيع أن تنتمي إليه ولا ينتمي إليك. وحدك قاعد وقائم. في صحوك وحدك وفي غفوتك، في رفضك وفي تقبلك الأمور على علاتها.

لسنا أسياد أنفسنا، لذا فإن الأشواق العارمة للحرية تظل منارة الطريق دون أن نهتدي. تظل ضوءا ينوس في البعيد، يضيئ لنا الطرقات الوعرة التي تسوقنا إليها هذه الرغبات المتضادة والمصطرعة.

ليس ما يحيط بنا هو دائما ما يصطخب ويصطرع ويعنف.. ففي دواخلنا طواحين وعواصف ونشيج مر، وضحكات وانتشاء وعزلة وانطواء ورغبات عارمة حينا لطيفة، رهيفة حينا. شائكة كالعوسج حينا وحينا كبرعم زهر سابح في ملكوت الماء.

لست أعرف فيما إذا كنت أنام حقا أم أنه وهن الجسد تحت صخب الأعماق. أو أن النوم إرادة أخرى تحنو على كيانك كي لا يتهاوى تحت وطأة ما يحتدم في دواخلك؛ رغم أن هذا الاحتدام لا ينام بنومك، يظل في احتدامه متخذا صورا وأحداثا وشخوصا نسميها الأحلام.

قلبي مثقل برغباته وروحي بنزوعها إلى ما لا يطال.. عصية حتى الكتابة هذا المشرط والبلسم، هذا الجرح والغناء.. عصي عليَّ أن التقط في كلمات كل هذا الهدير، وهذا الضياء.. هذا العصيان وهذا الوئام.

ليس ما يبدو عليه ظاهرنا هو حقيقتنا. قد نبدو للناظر مبتسمين، هادئين، متزنين. لكن في أعماقنا هول ومحيطات وأعاصير. وقد نبدو واجمين، منقبضين في شرود. بينما في أعماقنا سلام وهدوء ونسائم.

وحدهم السعداء أولئك الذين دواخلهم كبواطنهم، نومهم كصحوهم، لا ينهمكون في التفكير والتساؤل والتفسير والتنقيب!

hamdahkhamis@yahoo.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا