• الثلاثاء 05 شوال 1439هـ - 19 يونيو 2018م
2018-05-12
الإنسان بين اليأس والأمل
2018-05-05
وداعاً أيتها الطبيعة
2018-04-21
جناحان بين العسر واليسر
2018-04-14
حياتنا أسلاك وبنك - نوت
2018-04-07
تأملات في تبدل الفصول
2018-03-31
عن المبدعة الإماراتية
2018-03-24
بانوراما الحلم والإنسان
مقالات أخرى للكاتب

شاعرة الفطرة والارتجال

تاريخ النشر: السبت 03 مارس 2018

هي خالتي وصفية العمر. نشأنا معاً، ونسجنا أحلامنا الفتية معاً، وحرسناها بالأمل والطموح الذي تهشم على تروس الواقع وصرامة التقاليد. جمعت بيننا الأيام حيناً وفرّقت كثيراً. هي ذات نزوع مرهف وعقل منفتح على الجديد، وروح متوثبة طلقة.. كرهت القيود التي فرضتها العائلة والتقاليد التي منعتها من مواصلة الدراسة، فعلّمت نفسها أن الحياة تجدد دائم، وأن الأقفال مهما قست تظل الروح عصية على القيود، وظلّت ترتجل الشعر طوال السنين باللهجة المحكية. هي مليكة الارتجال، تنساب القصيدة كاليسر والماء بين شفتيها، كأنها دفق الروح، وهمس الغصن، وتردد النبض، ورهافة الانتباه إلى ما يحيط بها وما يؤثث حياتها من مشاهد وأحداث. واتسمت قصائدها بروح التهكم حيناً والمفارقات والهجاء والاحتفائية بالحياة والفرح والجمال.

تذهلني دوماً قدرتها على التدفق الشعري، وعفوية الوصف، والتقاط الصورة، والمفارقة والتضاد بين حالين أو مشهدين. تدفق ارتجالي، لا تحتاج معه إلى جهد أو ورق أو بحث عن المفردة أو الصورة. موهبة فطرية تميز بها الشعراء منذ القدم وقبل نشوء الكتابة ومعاجم اللغة. الشعر عندها حديث عفوي يمزج العقل بالروح، والسر بالوضوح، والفن بالفطرة. تلك الفطرة التي لا تبحث عن مجد، ولا توظف الشعر في أي مؤسسة، ولا تسعى به لكسب الشهرة أو للتباهي. لم تنشر قصائدها قط على صفحات الصحف التي تمتلئ بقصائد النبط. لا أحد يعرفها سوى أبنائها وسواي، وبعض أفراد العائلة التي تستنجد بها في مناسبة فرح لقريب أو صديقة حميمة. وهي امرأة ناعمة كأنها نسمة، ضاحكة كأنها الخرير، رهيفة كأنها بتلة وردة، فالزمن يمر خجلاً متوارياً ساحباً ظلاً رهيفاً على ملامحها، كأنه يخجل أن يحفر إزميله المعتاد على امرأة أبدعتها الحياة والطبيعة كي تظل صبية تختزل الأمومة وتترنم بالشعر. وقد ورثت من جدي فتنة الإبداع حين يصهر الذهب في بوتقة النار ليحيله إلى فن نادر النقش والجمال. وخالتي تسبك قصائدها من منابع الحياة وحكمة العمر من دون مرجعيات الكتب وخلفية الثقافة. وإذ أستمع إليها، وهي تلقي قصيدة بعنوان: «حوار بين الماضي والحاضر»، أدرك معنى أن يولد الإنسان شاعراً، وأن يستشعر العمق واللذة والفرح الصافي حين يغني الحياة أو يحاورها بهذا الفن السحري الذي يشبه همهمات الكون الخفية، ناسجاً بينها وبينه ذلك الحبل السري الذي لا يقطعه حتى الموت!

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا