• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م
2016-08-16
جسر العطاء
2016-08-09
تفرغ الكُتّاب
2016-08-02
هوية المدن
2016-07-19
زمن القحط الإنساني
2016-07-12
كتابة سعيدة؟
2016-05-24
فقه البدايات
2016-05-17
حرية الفكر
مقالات أخرى للكاتب

شك الموهبة

تاريخ النشر: الثلاثاء 01 مارس 2016

كانت تمد لي الأوراق بتردد. تقول: «تذكري إنها المرة الأولى التي أكتب فيها قصة، لا تكوني قاسية في النقد». كانت تلتمس رأي «كاتب متمرس» في محاولتها القصصية الأولى.

حين قرأت.. قررتُ أن ألتمس أنا رأيها فيما يمكن أن أكتب. لو كتبت.

من الجملة الأولى عرفت...أن الموهبة الحقيقية لا تكون إلا هكذا.. مليئة بالشك. تقول إنها المرة الأولى التي تكتب فيها نصاً قصصياً، وكان نصاً موسيقياً، كأنه قطعة فنية، حين طلبتْ مني أن أراجع قصتها ظننتُ أني سأقرأ نصاً إنشائياً كعادة المبتدئين، وسأعطيها بعض النصائح حول تجنب الوقوع في فخ المباشرة والمجانية والجمل الوعظية والشعارات، فإذا به نصاّ مبهراً في كل عناصره، تمسك بخيوطه باحترافية من أول جملة لآخر جملة في قصة مؤثرة!. والبنت تظن، وبكل ثقة، أنها ليست موهوبة!

وأتساءل كم من موهبة تعيش بيننا دون أن ندرك ذلك، ودون أن تدرك هي ذاتها ذلك؟، في حين يتصدر المشهد أنصاف المواهب أو عديمو الموهبة ممن لا يمتلكون شيئاً سوى غرور الثقة الفائضة وتهور الطموح للشهرة في ظل وجود من يشجع الأقلام أياً كانت هشاشتها. وتبقى الأقلام الحقيقية خجولة مترددة متشككة متوارية في الظل لا يعرف عنها أحد، ولم يبذل أي أحد أي جهد للتنقيب عنها. فكيف لم يمر بهكذا قلم مُعلمة، في أي مرحلة من مراحل حياتها الدراسية، ترى فيها النبع الكامن للموهبة فتشجعها وتقف خلفها؟!

لو وجدت هذه الفتاة معلمة واحدة فقط، تهتم باكتشاف المواهب، لو ظلت معها تدعمها بالتشجيع والرعاية والمتابعة، لو آمن بها أحد منذ البداية، لربما كان لدينا الآن كاتب واحد حقيقي نستطيع أن نضعه في مصاف الكتّاب العالميين دون غرور وبكل فخر.

القلم الحقيقي مثل اللؤلؤ لابد من غواصين مهرة لاستخراجه من أعماق البحار، لن يأتيك هكذا لمجرد إعلانك لمسابقة في القصة القصيرة مثلاً، لأن الشكّ...ذلك الفرن الذي تنصهر في أتونه الأقلام الحقيقية لن يسمح لها أن تتقدم من تلقاء نفسها. عليك أنت، أيها المعلم، أيها الأستاذ الجامعي، أيها المسؤول الثقافي، أيها الصحفي، أيها الإعلامي، أيها المثقف، أن ترمي بصنارتك وتبحث عنها، وحين تجدها تتشبث بها كعطشان وجد ماء، كرحالة وجد واحة.. كفقير اصطاد للتو سمكة ذهبية. فالمواهب الحقيقية هي الشجر الأخضر، وهي الورد في الصحراء، وهي الشمس في الصقيع والظل في الهجير، وهي أعمدة الحضارة؛ كم من عمران اندثر وبقيت الأفكار تنتقل عبر العصور في نصوص أدبية خالدة، تقف شاهدة، مثل حارس لا ينام، على تاريخ الإنسان.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا